On Research

مقالات تحليلية

مستقبل النظام الدولي بين ازدواجية المعايير وغياب المرجعية القانونية الدولية

Email :6380

إعداد

آية محمد الأشعل
باحثة فى العلوم السياسية
خريجة كلية اقتصاد وعلوم سياسية – جامعة الأسكندرية
جمهورية مصر العربية

 

شهد العالم مؤخراً تطورات متلاحقة ومتسارعة تعكس حالة من التحول والتآكل في بنية النظام الدولي، ويعود ذلك إلى مجموعة من المتغيرات والتحولات الهيكلية الكبرى، من أبرزها: الرغبة في تغيير مراكز القوى الدولية، والانتقال من نظام الأحادية القطبية إلى التعددية القطبية. فمنذ نهاية الحرب الباردة هيمنت الولايات المتحدة الأمريكية على النظام الدولي بوصفها القطب الأوحد بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، ولكن أصبح هناك قوى صاعدة أخرى مرشحة لتنافس الولايات المتحدة على قمة الهرم الدولي مثل الصين وروسيا. ليس ذلك فحسب؛ فتداخل الرؤى والمصالح المتباينة بين هذه القوى أدى إلى تصدعات وتصادمات حتمية.

نتيجة لذلك، يمر النظام الدولي الراهن بتغيرات راديكالية بنيوية منها: تراجع دور الدولة المركزية لصالح بروز فاعلين جدد من غير الدول كما في السودان حالياً، وتغير أشكال الصراعات والحروب من شكلها التقليدي إلى الصراعات والحروب المركبة مثل الصراع بين “إسرائيل وإيران 2025″، يضاف إلى ذلك استخدام الذكاء الاصطناعي في تطور الأسلحة والحروب، وظهر ذلك جلياً في “حرب غزة 2023”.

فضلاً عن التحولات الجيواقتصادية لتحقيق الغايات الجيوسياسية والتي زادت من حدة النزاعات الإقليمية والدولية؛ فكان أبرزها “الحرب التجارية الأمريكية – الصينية” واستخدام الولايات المتحدة للتعريفات الجمركية كأداة للضغط السياسي، وقضية تايوان التي تعتبرها الصين جزءاً لا يتجزأ من أراضيها والتي تعد مركزاً عالمياً مهيمناً في صناعة الشرائح الإلكترونية المتقدمة وهو ما يشكل أساس الصراع بين الصين والولايات المتحدة. ناهيك عن التحولات الجيوسياسية لتحقيق الأهداف الجيواقتصادية والتي كان من أبرز أشكالها “مجموعة البريكس”، والحرب الروسية الأوكرانية والنزاع في بحر الصين الجنوبي كأبرز أمثلة التأثيرات الجيوسياسية على زعزعة استقرار السلم والأمن الدوليين.

وهكذا يستعرض هذا الطرح إطاراً موجزاً عن التداخل الجيوسياسي والجيواقتصادي والانتهاكات الدولية في ظل غياب المؤسسية الدولية، والتي يعد آخرها العملية العسكرية والضربات الجوية التي نفذتها الولايات المتحدة الأمريكية في فنزويلا واختطاف الرئيس “نيكولاس مادورو” على مرأى ومسمع العالم لتحقيق طموحاتها الإمبريالية. وهذه العملية الأخيرة ستكون أساس هذا المقال لتوضيح وتحليل كيف شهد العالم نصب عينيه تآكل شرعية المؤسسات الدولية التي تحولت من أداة لحفظ السلم والأمن الدوليين -وكانت تنادي بحق الشعوب في تقرير مصائرها- إلى ساحة لازدواج المعايير والتطبيق الانتقائي وتراجع الفاعلية لصالح طموحات القوى الكبرى وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية.

ومن ثم يثور هنا سؤال رئيسي يعد جوهر هذا المقال: أين المرجعية الدولية في ظل كل هذه التجاوزات؟ أولم يعد هناك قانون دولي؟!

أولاً: العملية العسكرية الأمريكية في فنزويلا

على وقع التصعيد العسكري في منطقة الكاريبي، نفذت الولايات المتحدة يوم السبت 3 يناير 2026 عملية عسكرية داخل العاصمة الفنزويلية “كاراكاس”، وبها تمكنت من اعتقال الرئيس “نيكولاس مادورو وزوجته” ونقلهما إلى الولايات المتحدة بدعوى أن الرئيس الفنزويلي متورط في أنشطة تتعلق بانتهاك حقوق الإنسان وتهريب المخدرات إلى الولايات المتحدة الأمريكية. وتتهمه الإدارة الأمريكية بتزوير الانتخابات الرئاسية 2024، ودوره في إثارة القلاقل والاضطرابات السياسية الداخلية والتي نتج عنها موجات هجرة غير مسبوقة بلغت نحو 8 ملايين شخص، أي نحو ربع عدد السكان.

ليس ذلك فحسب؛ أعلن الرئيس الأمريكي أن الولايات المتحدة هي من ستدير فنزويلا في الوقت الحالي، والذي يعد احتلالاً مباشراً واختراقاً لسيادة الدول. فالولايات المتحدة التي تضع تمثال الحرية عند مدخل أكبر مدنها “نيويورك” ودائماً ما تروج لشعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان والسلام هي أولى الدول انتهاكاً وتعدياً على المواثيق الدولية. والرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي كان يطالب بجائزة نوبل للسلام هو أول من يتعدى ويشن الهجمات العسكرية على الدول المجاورة في اختراق وتجاوز صارخ لقواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة الذي يؤكد على احترام سيادة الدول، ويعد ذلك تعدياً واضحاً على الدستور الأمريكي ذاته لتنفيذ عملية عسكرية خارج الحدود بدون الرجوع للكونجرس، والاستخدام السافر للقوة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية. فهي تعتمد مبدأ “ما لا يأتي بالضغط والعقوبات يأتي بالانقلاب والاختطاف وفرض الحصار” باسم الديمقراطية. وهكذا تصبح الديمقراطية والسلام شعارات مجردة جامدة لا ترقى للتطبيق على أرض الواقع، فهي “قانون على الضعفاء وحصانة للأقوياء”.

ثانياً: ذرائع الحروب.. من أسلحة الدمار الشامل إلى المخدرات

فما أشبه اليوم بالبارحة، فالعملية العسكرية في فنزويلا أعادت إلى الأذهان النمط الأمريكي المتكرر في الحجج والادعاءات الوهمية التي تستخدمها كذريعة للتدخل في شؤون الدول مع اختلاف الوسائل والأدوات، ولكن دائماً ما تبحث واشنطن عن عدو أخلاقي لتبرر به اعتداءها للرأي العام العالمي.

ففي الاجتياح الأمريكي للعراق عام 2003 كانت الذريعة هي “أسلحة الدمار الشامل والإرهاب الذي يهدد السلم والأمن الدوليين”، والتي ثبت لاحقاً عدم وجود أسلحة دمار شامل ولا حتى جزئي، ولكن بعد تدمير البلد والاستيلاء على موارده قرابة 9 سنوات. أما فنزويلا 2026 فالذريعة هي “المخدرات ومحاربة الإرهاب وحماية الديمقراطية” بدون تقديم أي أدلة على هذه الادعاءات، فتتخذ من هذه الشعارات البراقة غطاءً دولياً لتبرير اعتدائها.

ففي كلا التدخلين عملت على قلب نظام الحكم وإزاحة القيادة السياسية من أجل السيطرة على منابع النفط وموارد كلا الدولتين. فالعراق كان يمتلك أكبر احتياطي نفط في المنطقة، وفنزويلا تمتلك أكبر احتياطي نفط في العالم كله، وأعلنها ترامب بوضوح هذه المرة عقب العملية بأن أمريكا “ستضمن تدفق النفط”.

فالأمر لن يقتصر على هذه الدول فقط؛ فالأجندة الاستراتيجية الأمريكية ما زالت تنطوي على أطماع توسعية أخرى، والتاريخ الأمريكي يشهد على الانتهاكات الجسيمة في حقوق الشعوب، فقد أعلن ترامب رغبته في السيطرة على قناة بنما وجزيرة جرينلاند والتي يعتبرهما بمثابة حماية للأمن القومي الأمريكي حتى ولو كان ذلك بالاعتداء على سيادة الدول الأخرى. فلا بد من تحرك دولي يضع نهاية لتصرفات أمريكا المتهورة وغير المتوقعة والتي تعتبر نفسها فوق مستوى القانون ولا يمكن محاسبتها.

ثالثاً: الأسباب الحقيقية وراء العملية العسكرية الأمريكية في كاراكاس:

1) المواد والثروات الطبيعية:

  • يعتمد الاقتصاد الفنزويلي على النفط بشكل أساسي، فتتربع فنزويلا على عرش أكبر الاحتياطيات النفطية والتي تبلغ نحو 303 مليارات برميل وهذا ما جعلها أكبر مصدر للنفط في العالم. وبرغم هذا الرقم الهائل، فنتيجة للعقوبات الأمريكية والحصار البحري الذي فرضته أمريكا في وقت سابق تراجعت القدرات الإنتاجية نتيجة لنقص الاستثمارات وتدهور البنية التحتية.
  • وعلى صعيد متصل، فالثروات الطبيعية الهائلة الأخرى التي تنعم بها فنزويلا مثل احتياطيات الغاز الطبيعي جعلتها من أكبر 10 دول في العالم، فضلاً عن احتياطيات الذهب الكبيرة، فتضم فنزويلا واحداً من أكبر أحزمة الذهب في أمريكا الجنوبية، إضافة للثروات المعدنية (فتمتلك منجم حديد من أكبر المناجم في أمريكا اللاتينية، والبوكسيت الذي يستخدم في صناعة الألومنيوم، والكولتان الذي يعد عصب الإلكترونيات، والنيكل، والفوسفات… إلخ). كل هذه الثروات والمواد التي تعد عصب الصناعات وأوراقاً استراتيجية ثقيلة في عالم التحول الرقمي، والتي إذا تم استغلالها بشكل صحيح ربما جعلها لاعباً مؤثراً في الاقتصاد الصناعي الدولي، وهذا ما جعلها محور اهتمام الولايات المتحدة والذي تحول في الأيام الماضية إلى صراع واحتلال مباشر.

2) حرب الإبادة الجماعية في غزة: فلربما كانت حرب غزة هي سبب أساسي غير معلن للاعتداء الأمريكي على فنزويلا، حيث كانت فنزويلا إحدى دول أمريكا اللاتينية التي تبنت موقفاً صريحاً معلناً لدعم القضية الفلسطينية، وترجمت هذا الدعم أكثر من مرة حيث قامت بطرد السفير الإسرائيلي عام 2006 وقطع العلاقات الدبلوماسية كلياً في عام 2009 احتجاجاً على الممارسات الإسرائيلية في فلسطين، وفي نفس العام اعترفت رسمياً بدولة فلسطين. وإبان الحرب الأخيرة على غزة عام 2023 برز اسم الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو كأبرز الداعمين للقضية الفلسطينية والمنتقدين للسياسات الإسرائيلية في المحافل الدولية. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، ففي عام 2023 رفعت فنزويلا مستوى التمثيل الدبلوماسي لدى فلسطين من مكتب تمثيلي إلى سفارة كاملة، وأعلنت فنزويلا دعمها الرسمي للدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية ضد الاحتلال الإسرائيلي. وهكذا احتلت فلسطين مكانة في صميم التوجهات السياسية الفنزويلية والمعادية للتوجهات الأمريكية، وهذا ما يفسر جذور التأزم وعمق الشقاق في العلاقات الثنائية بين البلدين.

3) علاقات فنزويلا الخارجية مع الصين وروسيا: برزت فنزويلا كأحد الأطر التنافسية المحتدمة وإحدى الساحات الجيوسياسية التي تتقاطع عندها صراعات الهيمنة ومناطق النفوذ الدولي بين الولايات المتحدة والصين وروسيا؛ إذ عملت بكين على تعزيز حضورها الاقتصادي والاستراتيجي من خلال سياسة القروض وتمويل البنى التحتية في عدد من دول أمريكا اللاتينية التي تخضع للسيطرة والضغوط الأمريكية. وكذلك روسيا التي عملت على تعزيز نفوذها في الفناء الخلفي للولايات المتحدة وقامت بإبرام شراكة استراتيجية مع كراكاس لكسر العزلة الدولية التي فرضتها أمريكا على فنزويلا، وما مثله ذلك من تحدٍ مباشر لواشنطن، لذلك سعت واشنطن لقطع الطريق على خصومها الدوليين لما يمثله ذلك من تهديد مباشر لنفوذها ومكانتها الدولية وأمنها القومي.

رابعاً: تراجع دور الهيئات الأممية في الحفاظ على استقرار النظام الدولي

بالرغم من أن الأمم المتحدة قد أنشئت في البداية من أجل أهداف سامية نبيلة تمثل أهمها في: حفظ الأمن والسلم وتسوية النزاعات بالطرق السلمية، وتعزيز احترام حقوق الإنسان وتصفية الاستعمار، وبالفعل استطاعت الحفاظ على السلم في أجزاء متفرقة من العالم بعد الحرب العالمية الثانية (على سبيل المثال: ناميبيا، السلفادور، وكمبوديا، وقبرص، ويوغسلافيا سابقاً، وهايتي، …)، ولا ينكر لها الفضل في نزع فتيل الحروب في هذه الدول، إلا أن دورها مؤخراً في القضايا الأكثر اشتعالاً في العالم اقتصر على الإدانات الشفهية والتنديد والإعراب عن القلق دون أي خطوات مجدية لحل الأزمات والتدخل الفعال لإنهاء الصراعات لصالح رغبات وطموحات القوى الكبرى في العالم كالولايات المتحدة وروسيا والصين.

فالعملية التي قام بها ترامب لا تختلف كثيراً عما فعله بوتين في أوكرانيا، فكل منهم هاجم واعتدى على دولة مجاورة بشكل غير قانوني، ولربما يفتح هذا الاعتداء الباب كنموذج يمكن أن تحاكيه الصين مع تايوان دون أي اكتراث لمبادئ الأمم المتحدة والقوانين والأعراف الدولية. ونتيجة لهذا السلوك في عالم أصبح بدون ضمانات وفي ظل الشعور بالتهديد وعدم الثقة، فمن المنطقي أن تسعى دول العالم إلى تسريع سباق التسلح ورفع حالة التأهب والاستعداد وبناء تحالفات مضادة خوفاً من أن تلقى نفس المصير إزاء الوهن والقصور الذي يعتري المنظمات الدولية والتشكيك في قدراتها وفاعليتها في معالجة القضايا العالمية.

فأصبح العالم يسير وفق منطق القوة في ظل غياب تنفيذ أحكام القانون الدولي والمواثيق الدولية، وهذا ما يفضي بشكل مباشر إلى استشراء الفوضى وتكرار هذا السيناريو مع دول أخرى وتوسيع بؤر الصراع الدولي واختلال التوازن الدولي، وربما تغيير خريطة موازين القوى الدولية بعد أن أصبحت الفوضى والاعتداءات أداة للسيطرة والحكم، فيُفرغ القانون الدولي والمؤسسات الدولية من مضمونهم، وتكون الهيمنة والغلبة في النهاية لمن يمتلك عناصر القوة والنفوذ.

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts