On Research

مقالات تحليلية

الوساطة كآلية فعّالة لتسوية منازعات المشروعات الصغيرة والمتوسطة

Email :227

إعداد 

تامر بركه

خبيرالتشريعات المالية والاقتصادية

باحث سياسي

جمهورية مصر العربية

 

 

تُعدُّ المشروعات الصغيرة والمتوسطة من الركائز الأساسية للنشاط الاقتصادي؛ لما تؤديه من دور مهم في خلق فرص العمل، وتحفيز الابتكار، وتوسيع القاعدة الإنتاجية، ودعم سلاسل الإمداد والأسواق المحلية. وفي مصر، اكتسب هذا القطاع أهمية متزايدة في ظل التوجهات التشريعية والمؤسسية الرامية إلى دعمه، وفي مقدمتها قانون تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر رقم 152 لسنة 2020 ولائحته التنفيذية، بما يعكس إدراكاً واضحاً لأهمية هذا القطاع في تحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة. غير أن هذه المشروعات، رغم أهميتها، تظل أكثر عرضة من غيرها لتأثيرات النزاعات التجارية والتعاقدية؛ نظراً لمحدودية مواردها المالية والإدارية، وحاجتها المستمرة إلى الحفاظ على السيولة وسرعة دوران رأس المال.

ومن ثم، فإن البحث عن آليات فعالة وعملية لتسوية النزاعات لم يعد مسألة قانونية فحسب، بل أصبح ضرورة اقتصادية واستثمارية. وفي هذا السياق، تبرز الوساطة بوصفها من أنسب الوسائل البديلة لتسوية منازعات المشروعات الصغيرة والمتوسطة؛ لما تتميز به من مرونة وسرعة وسرية وانخفاض نسبي في التكاليف، فضلاً عن قدرتها على الحفاظ على العلاقات التجارية بين الأطراف.

وتقوم الوساطة على تدخل طرف محايد ومستقل يساعد الخصوم على إدارة النزاع بصورة تفاوضية منظمة، بما يتيح لهم التوصل إلى تسوية توافقية تعبّر عن إرادتهم المشتركة، دون أن يفرض الوسيط عليهم حلاً ملزماً. وهذه الطبيعة التوافقية تمنح الوساطة ميزة نوعية في البيئة التجارية؛ إذ إن كثيراً من النزاعات التي تنشأ في محيط الأعمال لا تعكس بالضرورة انهيار العلاقة بين الأطراف، بل قد تكون خلافات قابلة للاحتواء متى توافرت آلية مناسبة للحوار وإعادة التوازن إلى المصالح المتعارضة.

وتتجلى أهمية الوساطة بالنسبة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة في عدة مستويات متداخلة؛ فأول هذه المستويات يتمثل في خفض تكلفة النزاع؛ إذ إن اللجوء إلى القضاء التقليدي قد يرتب أعباء مالية لا تتناسب مع إمكانات هذه المشروعات، سواء من حيث الرسوم أو أتعاب التمثيل القانوني أو الكلفة غير المباشرة الناجمة عن تعطيل النشاط. أما الوساطة فتُعد في الغالب أقل كلفة وأكثر قدرة على تمكين المشروع من احتواء النزاع دون استنزاف موارده المحدودة.

أما المستوى الثاني فيتعلق بعنصر الوقت؛ فالمشروع الصغير أو المتوسط يتأثر بسرعة بأي اضطراب في علاقاته التعاقدية أو في تدفقاته النقدية، ومن ثم فإن طول أمد التقاضي قد ينعكس سلباً على استمرارية النشاط، بل قد يؤدي أحياناً إلى فقدان مورد أو عميل أو فرصة تمويل. وعلى خلاف ذلك، تمنح الوساطة الأطراف فرصة الوصول إلى تسوية في وقت أقصر، وهو ما يساعد على تقليل الخسائر واستعادة الاستقرار التشغيلي بسرعة أكبر.

ويتمثل المستوى الثالث في الحفاظ على العلاقات التجارية؛ فالمشروعات الصغيرة والمتوسطة تعتمد في كثير من الأحيان على شبكات تعاقدية محدودة نسبياً، وقد يكون استمرار العلاقة مع المورد أو الشريك أو الممول أمراً حاسماً لبقاء المشروع. ومن هنا تتفوق الوساطة على الخصومة القضائية في كونها تقوم على الحوار وتبادل المصالح، لا على كسب قانوني كامل لطرف وخسارة كاملة لآخر، وهو ما يزيد من فرص استمرار العلاقة التجارية بعد انتهاء النزاع.

كما تكتسب الوساطة أهمية إضافية بالنظر إلى السرية، وهي ميزة بالغة الأثر في بيئة الأعمال؛ إذ إن بعض النزاعات، إذا خرجت إلى المجال العلني، قد تضر بسمعة المشروع أو بمركزه الائتماني أو بثقة المتعاملين معه. وتوفر الوساطة إطاراً أكثر ملاءمة للتعامل مع هذه الاعتبارات، بما يحقق قدراً من الحماية للمركز التجاري للمشروع.

ومن الناحية العملية، يمكن تصور أهمية الوساطة في عدد من النزاعات الشائعة التي تواجه المشروعات الصغيرة والمتوسطة، مثل الخلافات الناشئة عن تأخر التوريد، أو عدم مطابقة المنتجات للمواصفات المتفق عليها، أو التأخر في السداد، أو النزاع بين الشركاء حول إدارة المشروع أو توزيع العوائد. ففي مثل هذه الحالات، قد تكون التسوية الودية المدارة عبر وسيط محايد أكثر فاعلية من المسار القضائي؛ لأنها لا تبحث فقط عن حسم قانوني مجرد، بل تسعى إلى حل عملي قابل للتنفيذ ويحفظ المصالح الاقتصادية للأطراف.

ولذلك، لم تعد الوساطة مجرد وسيلة بديلة بالمعنى الإجرائي التقليدي، بل أصبحت جزءاً من منظومة مؤسسية حديثة لإدارة المنازعات، تقوم على الكفاءة والمرونة وتعزيز الثقة في مناخ الأعمال. وقد دعمت الاتجاهات الدولية هذا المسار، لاسيما مع بروز اتفاقية الأمم المتحدة بشأن اتفاقات التسوية الدولية المنبثقة من الوساطة، المعروفة بـ (اتفاقية سنغافورة بشأن الوساطة)، والتي أسهمت في تعزيز الاعتراف الدولي بالتسويات الناتجة عن الوساطة، وتشجيع الأطراف على اللجوء إليها في المنازعات التجارية.

وفي مصر، تكتسب هذه التوجهات أهمية خاصة في ضوء الجهود المؤسسية المبذولة لتعزيز بيئة الاستثمار وتحسين آليات تسوية المنازعات، ومن بينها الدور الذي يضطلع به مركز تسوية منازعات المستثمرين بالهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة، من خلال دعم الوسائل الودية وفي مقدمتها الوساطة. وتنبع أهمية هذا الدور بالنسبة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة من أنه يرسّخ ثقافة قانونية جديدة قوامها أن تسوية النزاع لا ينبغي أن تكون عبئاً يهدد استمرار المشروع، بل أداة لإعادة الاستقرار إلى العلاقة الاقتصادية وتمكين النشاط من الاستمرار.

وخلاصة القول، إن الوساطة تمثل اليوم أداة قانونية واقتصادية فعالة لدعم استدامة المشروعات الصغيرة والمتوسطة، ليس فقط لأنها أقل تكلفة وأسرع من التقاضي، وإنما أيضاً لأنها أكثر قدرة على إنتاج حلول عملية تحافظ على العلاقات التجارية وتدعم الثقة في بيئة الأعمال. ومن ثم، فإن تعزيز اللجوء إلى الوساطة ونشر ثقافتها المؤسسية والقانونية يعدان من المسارات المهمة لدعم هذا القطاع الحيوي، وتحقيق بيئة استثمارية أكثر مرونة وكفاءة واستقراراً.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts