
عبد الرحمن محمد محمد غزالة
كلية الدراسات الاقتصادية والعلوم السياسية – جامعة الإسكندرية
جمهورية مصر العربية
المقدمة:
(إن القرن الـ 21 سيكون قرناً أمريكياً بامتياز).
هذا ما قاله الرئيس الأسبق للولايات المتحدة جورج بوش الأب، ولكن هذه المقولة الآن أصبحت جزءاً من الأساطير المنسية، أو كانت مقولة متفائلة إلى حد كبير؛ فالقرن الـ 21 قد يكون أكبر تهديد للهيمنة العالمية للولايات المتحدة وأكثرها تحدياً لها. حيث إن صعود قوى عالمية مناوئة للهيمنة الأمريكية، والتي تطرح رؤى مغايرة لرؤى الولايات المتحدة الأمريكية لما يجب عليه النسق الدولي، يمثل تحدياً حقيقياً. وإن كان هنالك دولة واحدة لها الفرصة الأكبر لإنهاء حالة الأحادية بالنسق الدولي، ستكون هذه الدولة هي جمهورية الصين الشعبية. ولكن قبل أن ننتقل إلى الجزء الذي يتناول هل الصين قادرة على ذلك فعلاً وما هي التحديات التي ستواجهها، يجب علينا ضبط مفهوم في غاية الأهمية ألا وهو “الهيمنة”.
الهيمنة:
هنالك عدة تعريفات تناولتها عدة مدارس وعدد من المنظرين، تحديداً المدرسة الواقعية التي تقول بأن الهيمنة هي امتلاك الدولة القدرة الاقتصادية والعسكرية لإبعاد المنافسين. ولكن هذا التعريف نوعاً ما قاصر؛ حيث إن عوامل قوة الدولة تذهب إلى أبعد من هذا. لذلك هنالك تعريف آخر لـ “غرامشي” والذي يقول إن الهيمنة تذهب إلى أبعد من مجرد الهيمنة الاقتصادية أو العسكرية، بل إلى التأثير الثقافي والهيمنة على الإنتاج الحضاري العالمي.
أما التعريف الإجرائي الذي يمكن أن نستشفه من هذه الاتجاهات والتيارات المختلفة، هو أن الهيمنة تعني قدرة الدولة على فرض قيمها السياسية والاقتصادية والثقافية، وذلك من خلال مؤسسات تضمن لها الفاعلية في ذلك.
أي باختصار، الهيمنة تتضمن عنصرين أساسيين هما:
-
قيم تسعى الدولة لفرضها.
-
مؤسسات عالمية.
ولذلك فإن المقارنة بين هذين العملاقين ستضم مقارنات من حيث عدة أوجه منها:
-
قوة عسكرية متفوقة.
-
النفوذ الاقتصادي العالمي.
-
التأثير الثقافي والقيمي والقيادة في التكنولوجيا والابتكار.
-
السيطرة على المؤسسات الدولية والقدرة على تشكيل الخطاب العالمي.
أولاً: القوة العسكرية
الجيش الأمريكي يصنف بأنه الأقوى عالمياً ويحتل المرتبة الأولى، بينما الصين تحتل المركز الثالث عالمياً؛ حيث إنها تحتل هذا المركز بعد روسيا. وأما فيما يخص الجزء الخاص بالإنفاق العسكري، فحسب إحصائيات عام 2024، فإن الإنفاق العسكري الأمريكي بلغ ما يقرب من 997 مليار دولار تقريباً، وهي الأعلى في العالم، بينما بلغ الإنفاق العسكري الصيني ما يقرب من 314 مليار دولار.
هناك فرق واضح بين الاثنين، ولربما يرجع هذا بالأساس إلى الانتشار العسكري الكبير للولايات المتحدة حول العالم؛ حيث تمتلك الولايات المتحدة ما يربو عن 128 قاعدة عسكرية بأكثر من حوالي 51 دولة حول العالم، مما يسمح لها بالتدخل عسكرياً -نوعاً ما- بجميع أنحاء العالم. أما الصين فلا تمتلك سوى قاعدة عسكرية وحيدة في جيبوتي لحماية مصالحها بباب المندب. حتى في “حرب الاثني عشر يوماً” لم تتدخل لمساعدة إيران عقب ضربات الولايات المتحدة للمواقع النووية، على الرغم من كون إيران محسوبة على المحور الصيني الروسي. وفي الحرب الروسية الأوكرانية، كانت تكتفي بإرسال المواد اللازمة لصناعة المُسيرات فقط والصناعات العسكرية الأخرى، وبعض المحللين قد رأوا ذلك كعلامة أنها لا تريد أن تقع تحت طائلة العقوبات الاقتصادية الأمريكية.
وفي الحقيقة، لا يمكننا أن نتغافل عن التطورات الأخيرة التي حدثت داخل الجيش الصيني، وقد رأينا ذلك أثناء العرض العسكري في هذا العام، والذي جاء عقب الحرب التجارية الضخمة بين الصين والولايات المتحدة، وقد حضره الرئيس الصيني “شي جين بينغ” والرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” والرئيس الكوري الشمالي. والذي أوضح لنا أن الصين قد نجحت في تكوين “الثالوث النووي” للحاق بالولايات المتحدة في هذا المجال. وأيضاً التطويرات في القوى البحرية؛ حيث قامت الصين بصناعة حاملتي طائرات بشكل محلي، وأحدثها هي حاملة الطائرات “فوجيان” التي تملك قدرة على الإطلاق الكهرومغناطيسي. إلا أنه كما قلنا، فإن الولايات المتحدة ما زالت تملك ما يقرب من 11 حاملة طائرات كلها من النوع (Super carriers).
وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة ما زالت متفوقة تقنياً وعددياً حتى الآن، إلا أنه بسبب قدرة الصين الصناعية العالية فهي قادرة على تعويض هذا الفارق التقني بالفارق العددي. ولكن أيضاً إن انتشار الولايات المتحدة العسكري يعطيها سيطرة على بحار مثل البحر المتوسط (حيث يتواجد به الأسطول السادس)، والأسطول الخامس في البحر الأحمر، والقواعد العسكرية الأمريكية الموجودة بدول الخليج والتي تجعلها مطلة على مضيق هرمز وباب المندب (عبر جيبوتي) والبوسفور والدردنيل في تركيا. وأيضاً تطبيقها لسياسة الاحتواء مع حلفائها في آسيا في منطقة بحر الصين الجنوبي، وذلك عبر سلسلة من التحالفات مع دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية والفلبين وتايلاند والهند وأستراليا وتايوان، والتي مثل صعود الصين مشكلة كبيرة لهم وإخلالاً بميزان القوة بآسيا؛ مما جعلهم أكثر التصاقاً بالولايات المتحدة. ويجب ألا ننسى حلف الناتو الذي يعتبر جزءاً من النفوذ الأمريكي في أوروبا والبحر المتوسط، والذي يمثل الجبهة التي تقوم باحتواء الخطر الروسي.
ثانياً: النفوذ الاقتصادي العالمي
لا داعي أن نؤكد على أن أكبر اقتصادين في العالم أجمع هما الولايات المتحدة والصين؛ حيث تعد الولايات المتحدة أكبر اقتصاد بالعالم بناتج محلي إجمالي يبلغ حوالي 29.2 تريليون دولار (ما يمثل ما يقرب من 28% من الناتج العالمي). أما الصين فيبلغ الناتج المحلي الخاص بها نحو 18.3 تريليون دولار (وما يقرب من 17% من الناتج العالمي). ولكن هنالك طريقة أخرى للحساب، وهي تعادل القوى الشرائية والذي يدخل معه عوامل أخرى مثل عدد السكان وليس فقط السلع المنتهية؛ نجد أن الصين بسبب عدد السكان الكبير والقاعدة الصناعية الكبيرة تتفوق نوعاً ما على الولايات المتحدة، حيث إن الولايات المتحدة طبقا لهذا المقياس يبلغ ناتجها أو حجم اقتصادها نحو 30 تريليون دولار، أما الصين فبلغ حوالي 35 تريليون دولار.
أما إذا أردنا أن ننظر نظرة أعمق، فإن لفظة “الصين هي مصنع العالم” ليست خاطئة بالمرة؛ فالصين تملك قاعدة صناعية كبيرة، وسلاسل الإمداد والتوريد العالمية تعتمد عليها إلى حد كبير، إلى الحد الذي دفع “ستيف جوبز” المدير التنفيذي لشركة آبل إلى رفض طلب باراك أوباما بنقل مصانع آبل إلى الولايات المتحدة، حيث أخبره أن الأمر (مستحيل سيادة الرئيس). فالصين طورت حتى مراكز صناعية كبيرة ومدناً صناعية كبيرة تحديداً في مجال الأدوية، وتفوقت على اليابان وكوريا في صناعات السفن التجارية، وحتى فيما يخص المعادن الأرضية النادرة؛ حيث تستحوذ الصين على ما يقرب من 69% من الإنتاج العالمي و90% من عمليات تكرير هذه المعادن. وفي الحقيقة قد استخدمت الصين هذا السلاح ضد الولايات المتحدة في الحرب التجارية الأخيرة، وتعد هذه المعادن من أهم الموارد بالعالم حيث إنها تدخل في الصناعات العسكرية والذكاء الاصطناعي والرقاقات الحديثة.
ولكن في الحقيقة أيضاً، الولايات المتحدة تملك استراتيجية مختلفة؛ حيث إنها تعتمد على الاقتصاد المعرفي والابتكار والقطاع الخدمي، والتركيز على الوصول إلى الأدوات التكنولوجية الحديثة. فهي من بدأت حمى الذكاء الاصطناعي، وحتى أكبر 10 شركات عالمية والتي تعتبر مركز الثقل العالمي إما هي أمريكية أو ملك أحد حلفائها. شركات مثل:
| الترتيب | الشركة | الدولة |
| 1 | NVIDIA | الولايات المتحدة |
| 2 | Microsoft | الولايات المتحدة |
| 3 | Apple Inc. | الولايات المتحدة |
| 4 | Alphabet Inc. | الولايات المتحدة |
| 5 | Amazon.com, Inc. | الولايات المتحدة |
| 6 | Meta Platforms, Inc. | الولايات المتحدة |
| 7 | Saudi Arabian Oil Company | المملكة العربية السعودية |
| 8 | Broadcom Inc. | الولايات المتحدة |
| 9 | Taiwan Semiconductor Manufacturing Company (TSMC) | تايوان |
| 10 | Berkshire Hathaway | الولايات المتحدة |
وهذه الشركات هي وغيرها من الشركات التي تستفيد من السوق الصيني والتي اعتمدت عليها الصين في بناء مجدها؛ لذلك نرى دونالد ترامب دفع بشركة آبل لنقل جزء من عملياتها التصنيعية إلى الهند لكسر هذه السلسلة أو إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية. ولذلك نرى الولايات المتحدة توقع اتفاقية مع أستراليا من أجل الحصول على المعادن الأرضية النادرة، وتم ضخ استثمارات كبيرة في هذا القطاع بالولايات المتحدة. ولكن تغيير سلاسل الإمداد بشكل كامل لكي يحدث سيكون مكلفاً إلى حد كبير، هذا أولاً. أما ثانياً، فسيأخذ عقوداً، ولكنه ليس مستحيل الحدوث أيضاً. وفي الحقيقة إذا كان هنالك شيء واحد قد أثبتته الحرب التجارية الأخيرة، هو أن الجميع خاسر.
وشيء آخر يغفله البعض، ألا وهو المساعدات التي تقدمها كلا الدولتين؛ فالولايات المتحدة حتى عام 2025م تقدم منحاً لما يقرب من 120 إلى 130 دولة من أصل 206 حول العالم. كما أن هذه المساعدات عادة تكون في صورة منح لا ترد، وأيضاً تكون منحاً موجهة لقطاعات التعليم والصحة والبنية التحتية؛ لذلك نرى الولايات المتحدة هي أكبر دولة مانحة للمساعدات بالعالم. على عكس الصين التي تعتمد على سياسات تمويل المشروعات مقابل نسبة منها أو القروض، والتي يحدث إن تخلفت إحدى الدول عن سدادها تكون في مأزق بالتخلي عن أصل من أصولها مقابل الدين، وخصوصاً أن الصين لا تقدم هذه القروض بصيغة منح كالولايات المتحدة؛ فسريلانكا اضطرت أن توقع عقد تأجير لميناء هامبانتوتا بسريلانكا لاستخدام الصين لمدة 99 عاماً.
هنالك شيء آخر هو أن المؤسسات المالية الخاصة بكل منهما والتكتلات الاقتصادية؛ فنجد أن المؤسسات المالية الأمريكية أكثر رسوخاً، فلدينا البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. وهنالك شيء آخر هو أن العملة العالمية والمستخدمة بالتجارة العالمية الآن هي الدولار الأمريكي، والتي تتنافس مع الذهب كونها حافظة للقيمة. لذلك عندما ارتفعت أسعار الذهب في الحرب التجارية الأخيرة واتجه العديد من الدول والبنوك المركزية والمستثمرين إلى الاستثمار بالذهب، مما سبب زيادة أسعاره وانخفاض قيمة الدولار عالمياً. وقد لعب استخدام الولايات المتحدة الأمريكية للعقوبات الاقتصادية بكثرة دوراً هاماً في سعي دولة مثل روسيا إلى زيادة احتياطها من الذهب، إلا أنه ما زالت المشكلة قائمة بأن الدولار ما زال هو العملة التي تستخدم عالمياً، والبورصة الخاصة بـنيويورك “وول ستريت” هي مرآة الاقتصاد العالمي. ولهذا نقول إن المساعدات الأمريكية واسعة النطاق هي التي تعطيها نفوذاً عالمياً جنباً إلى جنب المؤسسات المالية.
أما عن الصين فلدينا مبادرات مثل “الحزام والطريق” والتي تعد إعادة إحياء لطريق الحرير قديماً، والذي سوف يجعل الصين مركز ثقل عالمي وللتجارة العالمية، ومنظمة الآسيان أو مجموعة دول جنوب شرق آسيا. ولكن كما قلنا، وتحالف البريكس الذي يعد تهديداً للهيمنة الأمريكية العالمية على الاقتصاد العالمي، ولكن معظم هذه التنظيمات والمؤسسات ليست بمثل رسوخ المؤسسات الأمريكية التي تم إنشاؤها عقب الحرب العالمية الثانية. فمنظمة آسيان، جزء من الدول الموجودة في هذه المنظمة هي جزء من سياسة الاحتواء؛ فالفلبين مثلاً جزء من حزام الاحتواء الأمريكي وتايلاند كذلك. أما عن البريكس، فالهند هي ذراع آخر للحلف الغربي، بل حتى هنالك أزمات حدودية متكررة بين الصين والهند تقع بشكل متكرر. وحتى الصين التي تقول أنها تريد كسر هيمنة الدولار، هي ستكون أول من يتضرر من هذا الأمر؛ حيث إن الصين هي ثالث أكبر حامل للسندات الأمريكية بعد اليابان والمملكة المتحدة. وأيضاً فإن سياسات الإغراق التي تنفذها الصين في عدد من الأسواق تثير مخاوف العديد من الدول، حتى أقرب الحلفاء تحديداً روسيا؛ فمع الحرب على أوكرانيا، استغلت الصين تعطل وتيرة الصناعة الروسية والعقوبات الاقتصادية وأغرقت السوق الروسي بمنتجاتها، حتى أن روسيا تبيع الغاز والنفط للصين بأقل من سعره عالمياً. ولذلك فيما يخص النفوذ الاقتصادي لا يمكن لأحد حسم النتيجة لصالح من.
ثالثاً: التأثير الثقافي والقيمي والقيادة في التكنولوجيا والابتكار
من يملك الوعي يملك العالم، ولذلك يجب أن نرى مدى تأثير كل من الدولتين ثقافياً على العالم:
اللغة: الإنجليزية هي أكبر لغة عالمياً انتشاراً، حيث يتحدث بها ما يربو من 1.5 إلى 2.3 مليار إنسان كلغة أولى أو ثانية، وتليها اللغة الصينية. ولكن هنالك فجوة بحجم الأبحاث التي تكتب باللغتين؛ فاللغة الإنجليزية يكتب بها 95% من الأبحاث في مجال العلوم الطبيعية والاجتماعية. وأما عن المجلات العلمية، فاللغة الإنجليزية تستخدم بنسبة 78%-80%.
الجامعات: أما عن أكبر دولة تمتلك أكبر عدد من الجامعات المعترف بها، فالصين متفوقة من هذه الناحية إلى حد كبير، ولكن “الترتيب العالمي / جودة الأبحاث / التأثير الدولي” بين جامعات الصين مقابل جامعات الولايات المتحدة لا يزال يُظهر “تفوقاً أمريكياً” في المتوسط العلمي، خاصة في الدولية، الاقتباس، الأبحاث المتميزة، والشبكات البحثية.
التكنولوجيا والمنصات: أما عن الوسائل التكنولوجية التي تساهم بالتأثير الثقافي، فيكفي أن نقول المنصات الإلكترونية والتي تختص بالمحتوى المرئي وغيرها من المنصات التي تستخدمها معظم دول العالم هي أمريكية، منصات ومواقع مثل:
-
Facebook
-
Instagram
-
WhatsApp
-
YouTube
-
TikTok (شركة صينية لكن الخوادم والمعايير الدولية تُدار في الولايات المتحدة وأغلب انتشارها عالمياً مرتبط بالسوق الأمريكي).
-
X (Twitter)
-
Reddit
-
LinkedIn
-
Snapchat
-
Google Search
-
Gmail
أما عن التطبيقات الصينية فهي تستهدف السوق المحلي بشكل أكبر؛ تطبيق مثل WeChat بصفة أساسية لا يستخدم في نطاق خارجي غالباً. زد على ذلك أنظمة التشغيل للهواتف والحواسيب معظمها أمريكي، نظم التشغيل مثل (IOS, Android, Windows)؛ لذلك من أسباب تراجع العملاق الصيني “هواوي” هو العقوبات الأمريكية عليها. ولكن الصين تتفوق من ناحية حجم براءات الاختراع؛ الصين الآن تقود عدد طلبات البراءات عالمياً (ابتكارات مسجلة بكثافة محلية وعالمية). تقرير WIPO أظهر أن المخترعين المقيمين في الصين قدّموا أرقاماً ضخمة من طلبات البراءات (1.64 مليون طلب في 2023).
ولكن من ناحية الشركات الرائدة في المجال التكنولوجي، فوادي السيليكون الموجود بكاليفورنيا الأمريكية خير مثال على هذا، شركات مثل (مايكروسوفت، آبل، …).
أما عن الفن والتأثير العالمي، فيكفي أن نقول إن هوليوود ساهمت بشكل كبير للترويج لنمط الحياة الأمريكي وفكرة الحلم الأمريكي وفكرة أرض الحريات وأخلاقية السياسة الخارجية الأمريكية. يكفي أنه من نتائجها أنه في مؤشرات Soft Power ووجوه الرأي العام تُظهر تفوّقاً عاماً للولايات المتحدة في معدلات الألفة والتأثير، لكن استطلاعات الرأي الحديثة تُشير إلى تآكل سمعة أمريكا في بعض دول العالم وتحسّن نسبي لصورة الصين في بلدان معينة.
وهذا سببه أن الإنتاج الثقافي الصيني هو نوعاً ما مخصص للداخل، وهنالك أشياء أخرى مثل السياسات التعسفية الصينية في قمعها للعديد من المظاهرات في هونج كونج، أو تطبيق سياسات تعسفية تجاه الشعب مثل السياسات الخاصة بالطفل الواحد والتي سببت في أزمة شيخوخة في المجتمع الصيني وعزوف عن الزواج. وأضف إلى ذلك أن الشعب الصيني هو كان ضمن سياسات العزلة أيضاً وأنه عرق متجانس، مما يجعل من الصعب الهجرة والاستقرار فيه، على عكس المجتمع الأمريكي الذي هو مجتمع قائم على التنوع والهجرة واستقطاب الصناعات والعقول إلى حد كبير.
رابعاً: السيطرة على المؤسسات الدولية والخطاب العالمي
لكي نستطيع فهم هذا الأمر بشكل كبير، فإن جون ميرشايمر يقول إنه بعد الحرب الباردة دخلنا في مرحلة النظام العالمي حيث أصبحت الليبرالية هي الأيديولوجية المسيطرة، وأصبحت المنظمات الدولية تنظر إلى الولايات المتحدة كأنها شرطي العالم، وأصبحت أداة طيعة. وعلى حسب بعض الكتابات فإن هذه الفترة امتدّت منذ 1991 إلى 2010. والتنظير النيوليبرالي قائم على فكرة السلام الديموقراطي ونهاية التاريخ التي جاء بها فرانسيس فوكاياما، والثاني هي فكرة العولمة أو الأمركة، حتى أن صامويل هانتنجتون تنبأ بقدوم موجة ثالثة من التحول الديموقراطي. بل عندما جاء ما يعرف عالمياً باسم الربيع العربي، لنقول إننا دخلنا للموجة الرابعة. وحتى أن غزو العراق 2003 لم يلق معارضة قوية من مجلس الأمن، أو حتى الحرب العالمية على الإرهاب؛ نرى دولاً نراها اليوم مناوئة اصطفت بشكل تلقائي عقب أحداث 11 سبتمبر وانضمت إلى التحالف الدولي ضد الإرهاب.
لذلك دعونا نرى الآن على سبيل المثال المؤسسات الدولية العالمية التي لها ثقل مثل الأمم المتحدة؛ نرى مقرها يقع بنيويورك، ونرى دونالد ترامب يلغي تأشيرات ممثلي السلطة الفلسطينية من القدوم للولايات المتحدة بنيويورك، ونرى الولايات المتحدة أكبر دافع للاشتراكات في الأمم المتحدة، والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي مقرهما بالولايات المتحدة. أضف على ذلك نرى الولايات المتحدة تضرب المواقع النووية الموجودة بإيران بانتهاك واضح لسيادة دولة وخرق، ولكن مجلس الأمن لم يصدر صوتاً، أو في اليمن عندما هاجم الحوثيون.
ولكي نستطيع أن نرى الموضوع بشكل أوضح، دعونا نقارن بين الرؤيا الليبرالية وميثاق الأمم المتحدة؛ نراهما متسقين معاً بشكل واضح. وبالتأكيد القيم تختلف عن الواقع، فنحن في بيئة دولية فوضوية والكل ينصاع للأقوى. ولكي نقول بأن هنالك تهديداً للهيمنة، يجب أن يكون هنالك تهديد للمؤسسات الخاصة بالجانب الآخر. فمثلاً في عهد الثنائية القطبية، كان لدينا الناتو كحلف عسكري غربي يقابله حلف وارسو الذي يضم الكتلة الشرقية، وكان لدينا جماعة أوروبية من ناحية وخطة مارشال للدعم الاقتصادي والربط بين الدول الغربية، ونرى الكوميكون يجمع دول الكتلة الشرقية. وكانت الأمم المتحدة هي التي تمثل الخط الفاصل أو الخط العالمي أو النظام العالمي؛ فالعالم كان لديه ثلاث نظم عالمية: نظام غربي بقيادة الولايات المتحدة الرأسمالية، نظام شرقي بقيادة الاتحاد السوفييتي الشيوعي، ونظام عالمي وهو الخيط الرفيع الذي يجمع هذه النظم أو النظام العالمي مجازاً.
الآن لكي نقول على دولة ما أنها مهيمنة، يجب على الأقل أن تهيمن على إقليمها، بمعنى أن تكون مهيمناً إقليمياً. في الحرب الباردة هيمنت الولايات المتحدة على نصف الكرة الأرضية الغربي، والاتحاد السوفيتي هيمن على نصفها الشرقي. عندما سقط النظام المنافس تحولت الولايات المتحدة إلى مهيمن عالمي. ولكن لكي نقول على الصين هي دولة مهيمنة يجب أن نسأل: هل تمكنت من إنشاء مؤسسات تهيمن على الأقل على إقليمها؟ الإجابة نحن نعرفها، أنها ما زالت تحاول. ولهذا قد انتهت الصين من سياسة الصعود السلمي ووجب على التنين أن يحاوط العالم وأن يهيمن إقليمياً. وكيف له أن يهيمن؟ عن طريق أدوات جديدة. ولكن هذه الأدوات ليست راسخة مثل أدوات التحالف الغربي إطلاقاً؛ فالبريكس دوله بينها وبين بعضها مشاكل، حتى الحليفان القريبان روسيا والصين هنالك مخاوف كبيرة بينهما؛ فالصين استغلت الحرب الروسية الأوكرانية وعززت وجودها بجنوب شرق آسيا ووسط آسيا التي كانت منطقة نفوذ سوفيتية بامتياز. ويكفي أن نقول إن الصين ما زالت تسعى لضم أراض من سيبيريا كانت قد أخذتها منها روسيا القيصرية بالماضي، حيث هنالك تقارير تعود إلى الفترة ما بين عام 2008 إلى عام 2014 حيث أن روسيا كانت تعمل على محاكاة لأي غزو صيني. والدليل على عدم رسوخ التحالف الصيني هو عدم تدخل الصين لمساعدة روسيا في حربها، أو حتى عندما قامت الولايات المتحدة بضرب إيران اكتفت ببيانات الشجب والإدانة.
ونحن هنا لا نقول إن التحالف الغربي متماسك، ولكن أقول إنه بسبب تفاوت القوة الكبير بين الولايات المتحدة ومجال نفوذها فالوضع مسيطر عليه. حيث نأخذ أوروبا، فجون ميرشايمر يرى أن الأوروبيين يحتاجون الناتو لأنه يمثل الغراء الذي يجعل الأوروبيين موحدين؛ إذا ذهبت الهيمنة الأمريكية فسوف تعود الحروب إلى القارة العجوز، بالمختصر اعتبره استقراراً ولكن بفرض الهيمنة نوعاً ما. أما من ناحية مجال الصين، فإن الصين لديها اليابان كعملاق اقتصادي، والهند كمنافس إقليمي، وروسيا التي تنازعها الهيمنة العالمية والإقليمية. والحقيقة أن الصين لا يمكنها مثلاً رفض العولمة؛ فمنذ انضمامها لمنظمة التجارة العالمية والصين أصبحت العملاق الاقتصادي الذي نراه الآن. في الحقيقة الصين الآن هي أكبر مستفيد من مؤسسات النظام العالمي الجديد.
ختاماً:
إن دورات الهيمنة أمر طبيعي جداً حدوثه؛ الدول كالكائن الحي ينمو ويقوى ويشيخ ويموت. ولكن ما نعانيه الآن من اضطرابات في ميزان القوى العالمي يجعلنا في حالة من عدم اليقين، وخصوصاً أن عودة دونالد ترامب جاءت كعاصفة قلبت كل شيء؛ لذلك لا نستطيع أن نجزم بشكل قاطع ماهية الصورة التي عليها النسق الآن، ولكن أظننا نقع ما بين مرحلة انهيار الشرعية للنظام الدولي القائم ومرحلة تفككه، أي أننا في مرحلة انتقالية من الأحادية إلى التعددية القطبية. ولكي نصدر حكماً دقيقاً يجب أن ننتظر حتى تنتهي فترة ترامب لنرى إلى أين ستصل الأمور.
المراجع:
-
El-Sayed, Ahmed. “عنوان المقال إن وجد.” Egyptian Knowledge Bank Journal. Accessed December 5, 2025. https://journals.ekb.eg/article_396129_0.html.
-
Hassan, Mona. “عنوان المقال إن وجد.”Egyptian Knowledge Bank Journal. Accessed December 5, 2025. https://journals.ekb.eg/article_410069_0.html.
-
Ali, Tamer. “عنوان المقال إن وجد.” Egyptian Knowledge Bank Journal. Accessed December 5, 2025. https://journals.ekb.eg/article_427072.html.
-
Policy Journal of MS. “.” Policy Journal of MS 6 (2025). Accessed December 5, 2025. https://policyjournalofms.com/index.php/6/article/view/1063.
-
ScienceDirect. “.” ScienceDirect 1, no. issue (2021). Accessed December 5, 2025. https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S2667111521000165.
-
Middle East Technical University. “.”METU Open Access Theses. Accessed December 5, 2025. https://open.metu.edu.tr/handle/11511/43834.
-
RDD Iraqi Journal. “عنوان المقال إن وجد.” Iraqi Journal. Accessed December 5, 2025. https://iasj.rdd.edu.iq/journals/uploads/2024/12/13/f007210b5ddfe3aa5c7bc22e7cf1b1ff.pdf.
-
JCES. “.” Journal of Contemporary Egyptian Studies. Accessed December 5, 2025. https://jces.journals.ekb.eg/article_324017_9112515681aa080eb450b388750b5264.pdf.


