
إعداد
د. محمد حسن الزيبق
كاتب أكاديمي متخصص في الشأن الإيراني
كلية اللغات والترجمة، جامعة الأزهر
جمهورية مصر العربية
قراءة من منظور إيراني في تقاطعات (ليبيا – تركيا – باكستان)
مقدمة: حادث عارض أم رسالة سياسية؟ في مساء الثالث والعشرين من ديسمبر (كانون الأول) 2025، سقطت طائرة خاصة في الأجواء التركية كانت تقلّ الفريق أول “محمد علي أحمد الحداد”، رئيس الأركان العامة للجيش الليبي، برفقة عدد من كبار القادة العسكريين، بينهم رئيس أركان القوات البرية، ورئيس هيئة الصناعات العسكرية، ومستشارون عسكريون رفيعو المستوى.
سارعت الرواية الرسمية التركية إلى توصيف الحادث بأنه نتاج “خلل فني كهربائي”، مؤكدة إعلان الطيار حالة الطوارئ بعد دقائق من الإقلاع من مطار “إسنبوغا” في أنقرة. غير أن توقيت الحادث، وهويات الضحايا، وسياق التحركات الإقليمية المتسارعة في الملف الليبي، أمور جعلت من الصعب التعامل مع الواقعة بوصفها مجرد حادث طيران تقني.
من منظور إيراني تحليلي، لا يُقرأ الحدث بمعزل عن التحولات البنيوية في موازين القوى داخل ليبيا، ولا عن التقاطعات الجديدة بين تركيا وباكستان والسعودية، ومحاولات إعادة رسم خطوط النفوذ في شرق المتوسط وشمال إفريقيا. السؤال المركزي إذن ليس: كيف سقطت الطائرة؟ بل: لماذا الآن؟ ولمصلحة من؟ وما الذي سيتغير بعد ذلك؟
أولًا: ليبيا كساحة صراع مؤجل
منذ انهيار الدولة الليبية عقب أحداث 2011، تحولت ليبيا إلى نموذج كلاسيكي لـ “الدولة المفككة ذات السيادة المتنازَع عليها”. فعليًا، لم تعد ليبيا دولة واحدة بقدر ما أصبحت ساحتين سياسيتين–عسكريتين:
1. غرب ليبيا بقيادة حكومة «الوحدة الوطنية»: مقرها طرابلس، وتتمتع بدعم عسكري وأمني من تركيا.
-
تركيا وغرب ليبيا: تحالف النفوذ من منظور إيراني من زاوية الرؤية الإيرانية، لا تُفهم العلاقة بين تركيا وغرب ليبيا بوصفها دعمًا تكتيكيًا لحكومة معترف بها دوليًا فحسب، بل باعتبارها مشروع نفوذ استراتيجي متكامل، تسعى أنقرة من خلاله إلى ترسيخ موطئ قدم دائم في غرب المتوسط وشمال إفريقيا، في إطار مقاربة “هجومية–مرنة” تمزج بين القوة العسكرية، والشرعية القانونية، والاقتصاد السياسي.
-
أ- ليبيا في الحسابات الجيوسياسية التركية: تنظر طهران إلى التدخل التركي في غرب ليبيا على أنه امتداد مباشر لعقيدة أنقرة في توسيع المجال الحيوي عبر السواحل، لا عبر العمق البري. فليبيا بالنسبة لتركيا هي: بوابة إلى شرق المتوسط ومعادلة الغاز، ومنصة ضغط على أوروبا، ونقطة ارتكاز في مواجهة المحور (اليوناني – القبرصي – المصري). وتُعدّ الاتفاقيتان البحريتان والأمنيتان الموقعتان عام 2019 بين أنقرة وحكومة طرابلس، في القراءة الإيرانية، نقلة نوعية حولت تركيا من لاعب إقليمي إلى فاعل متوسطي مباشر.
-
ب- البعد العسكري (من الدعم إلى الوصاية الناعمة): ترى مراكز التحليل الإيرانية أن الدور التركي في غرب ليبيا تجاوز مفهوم “الدعم العسكري” إلى ما يشبه “الوصاية الأمنية غير المعلنة”. فقد أسست أنقرة شبكة قيادة وسيطرة، وقواعد تشغيل للطائرات المسيّرة، ومنظومات دفاع جوي، وبرامج تدريب وإعادة هيكلة للقوى المسلحة الليبية. ولذا فإن “محمد الحداد”، من هذا المنظور، لم يكن مجرد رئيس أركان، بل حلقة وصل مؤسسية بين القيادة العسكرية الليبية والمنظومة الأمنية التركية؛ مما يضفي على غيابه المفاجئ أبعادًا تتجاوز الخسارة الفردية.
-
جـ- البعد السياسي (شرعية مقابل نفوذ): تقدّر طهران أن أنقرة أحسنت توظيف الشرعية الدولية لحكومة طرابلس لتبرير تدخلها، بخلاف خصومها الذين اعتمدوا أدوات أقل شفافية. غير أن هذا لا يلغي -في القراءة الإيرانية- حقيقة أن تركيا سعت إلى: احتكار القرار الأمني في الغرب الليبي، وتقليص هامش الاستقلال لدى النخب العسكرية المحلية، ومنع أي تسوية سياسية قد تقلّص نفوذها المكتسب.
-
د- الاقتصاد كرافعة استراتيجية: لا تنفصل العلاقة التركية–الليبية عن حسابات إعادة الإعمار، وملفات الطاقة، والموانئ، والمطارات. وترى إيران أن أنقرة تتعامل مع غرب ليبيا باعتباره سوقًا طويل الأمد، ومخزن نفوذ (اقتصادي–أمني)، وليس مجرد ساحة صراع مؤقتة. هذا التشابك جعل من القيادات العسكرية الليبية المتحالفة مع تركيا ركائز استقرار للنفوذ التركي.
-
هـ- القلق الإيراني من النموذج التركي: من منظور إيراني نقدي، يمثّل النموذج التركي في ليبيا صيغة مختلفة عن التدخل الغربي التقليدي؛ فهو أكثر مرونة وأقل تكلفة، لكنه في الوقت ذاته يخلق تبعية مؤسسية طويلة الأمد، ويحدّ من السيادة الوطنية للدولة المضيفة، ويفتح المجال لصدامات بالوكالة. لذا، تُتابع طهران هذا النموذج بدقة؛ لا عداءً مباشرًا، بل قلقًا استراتيجيًا من تعميمه في ساحات أخرى.
-
و- سقوط الطائرة في هذا السياق: في هذا الإطار، يُقرأ سقوط طائرة رئيس الأركان الليبي على الأراضي التركية -إيرانيًا- بوصفه: اختبارًا لمتانة التحالف، وحدثًا كاشفًا لهشاشة الترتيبات الأمنية، ورسالة غير مباشرة حول قابلية النفوذ التركي للاختراق أو الإرباك. ليس بالضرورة أن يكون الحادث فعلًا عدائيًا، لكنه بالتأكيد حدث سياسي بامتياز داخل معادلة النفوذ في غرب ليبيا.
-
2. شرق ليبيا بقيادة «الجيش الوطني الليبي»: بزعامة خليفة حفتر، والمدعوم من محور إقليمي يضم الإمارات، والسعودية، ومصر، وبدرجة أقل الكيان الصهيوني.
-
تركيا وشرق ليبيا: قراءة إيرانية في علاقة خصومة مُدارة من منظور إيراني، لا تُفهم العلاقة بين تركيا وشرق ليبيا بوصفها عداءً مباشرًا أو مواجهة صفرية، بل باعتبارها “خصومة مُدارة” ضمن توازنات إقليمية أوسع؛ حيث تحاول أنقرة احتواء نفوذ خصومها دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، فيما يسعى معسكر الشرق إلى تقليص الدور التركي دون استفزاز مباشر قد يفرض تدخلًا عسكريًا واسعًا.
-
أ- تركيا لا ترى شرق ليبيا خصمًا بحد ذاته: في القراءة الإيرانية، تنظر أنقرة إلى شرق ليبيا ليس ككيان معادٍ مستقل، بل كامتداد لمحور إقليمي منافس تقوده أبوظبي والرياض والقاهرة، وتدعمه تل أبيب بدرجات متفاوتة. وعليه، فإن الخلاف التركي مع شرق ليبيا هو خلاف بالوكالة، لا صراع مباشر مع خليفة حفتر كشخص أو مع بنغازي كمركز جغرافي. وهذا ما يفسّر امتناع تركيا -حتى في ذروة معركة طرابلس عام 2019- عن توسيع ضرباتها باتجاه العمق الشرقي، مكتفية بتحييد التهديد المباشر دون السعي لإسقاط معسكر حفتر كليًا.
-
ب- شرق ليبيا كأداة لكبح التمدد التركي: من وجهة نظر إيرانية، يُستخدم شرق ليبيا كأداة استراتيجية لكبح الطموح التركي في ثلاثة مسارات متداخلة:
-
شرق المتوسط: منع أنقرة من فرض معادلة (بحرية–طاقوية) جديدة.
-
شمال إفريقيا: منع تحوّل ليبيا إلى منصة نفوذ تركي ممتد نحو تونس والجزائر.
-
العمق العربي: عبر إضعاف نموذج التدخل التركي الناجح عسكريًا. حفتر، في هذا السياق، ليس مشروع دولة بقدر ما هو وظيفة إقليمية.
-
-
جـ- السياسة التركية (الحضور دون الهيمنة): يلاحظ المنظور الإيراني أن تركيا حرصت دائمًا على: إبقاء خطوط اتصال غير معلنة مع شرق ليبيا، وتفادي شيطنة حفتر بشكل كامل في خطابها الرسمي، وترك باب التسوية السياسية مفتوحًا؛ وذلك لأن أنقرة تدرك أن السيطرة الكاملة على ليبيا مستحيلة دون تكلفة باهظة، وأن أفضل ما يمكن تحقيقه هو منع خصومها من تحقيق نصر حاسم.
-
د- حساسية تركيا تجاه أي اختراق جديد في الشرق: هنا تبرز أهمية الدور الباكستاني. من زاوية إيرانية، لا يُقلق أنقرة إعادة تسليح حفتر بحد ذاتها، بل هوية الجهة المزوِّدة. دخول باكستان –الدولة ذات العلاقة الخاصة مع تركيا– إلى معسكر الشرق يُعد: كسرًا لمحرمات التحالف، وتهديدًا لتوازن الردع الجوي، ورسالة سياسية أكثر منها عسكرية. هذا التطور يُفسَّر في طهران باعتباره عاملًا ضاغطًا دفع تركيا إلى إعادة تقييم شراكاتها، وربما تسريع التنسيق مع قيادات عسكرية في طرابلس، وهو السياق الذي تُقرأ فيه زيارة الحداد إلى أنقرة.
-
هـ- لماذا لا تصعّد تركيا ضد شرق ليبيا؟ تذهب القراءة الإيرانية إلى أن امتناع أنقرة عن التصعيد يعود إلى: تعدد جبهات الاشتباك التركية (سوريا، العراق، شرق المتوسط)، وحساسية العلاقة مع مصر، والخشية من دفع ليبيا نحو حرب إقليمية مفتوحة؛ لذلك تعتمد تركيا سياسة الردع المحدود بدل المواجهة الشاملة.
-
و- دلالة سقوط طائرة الحداد في هذا السياق: من هذا المنظور، فإن سقوط طائرة رئيس الأركان الليبي في تركيا لا يُقرأ فقط كحادث مأساوي، بل كضربة غير مباشرة لمعادلة النفوذ التركي في ليبيا، سواء كانت مقصودة أم لا. فغياب شخصية عسكرية مركزية يُضعف قدرة أنقرة على إدارة توازنها الدقيق بين الردع والتسوية.
-
ثانيًا: باكستان… اللاعب الجديد–القديم
التحول الأكثر لفتًا للانتباه في الأسابيع التي سبقت حادث سقوط الطائرة، هو الانخراط الباكستاني المباشر في شرق ليبيا. فزيارة قائد الجيش الباكستاني الجنرال “عاصم منير” إلى بنغازي، وتوقيع عقود تسليح تُقدّر بـ 4.6 مليار دولار، تمثل نقلة نوعية في السياسة الخارجية الباكستانية.
من المنظور الإيراني، لا يمكن قراءة هذا الانخراط بمعزل عن: الأزمة الاقتصادية العميقة في باكستان، وحاجتها الماسّة للعملات الصعبة، وارتباطها المتزايد بالمحور (السعودي–الخليجي). فباكستان التي كانت حتى وقت قريب تُظهر تقاربًا تكتيكيًا مع تركيا -خاصة في قضايا مثل كشمير والتعاون العسكري- بدت وكأنها تعيد التموضع، حتى لو كان ذلك على حساب التوازن مع أنقرة. وتوقيع عقود تسليح ضخمة مع قوات حفتر يعني عمليًا: ترجيح كفة الشرق الليبي عسكريًا، وتهديد التفوق الجوي النسبي الذي وفّرته تركيا لحلفائها في طرابلس، وفتح الباب أمام جولة جديدة من الصراع المسلح.
ثالثًا: لماذا كان الحداد في تركيا؟
هنا تبرز نقطة شديدة الحساسية. محمد الحداد ليس شخصية عسكرية هامشية، بل هو أحد أعمدة الترتيب (الأمني–العسكري) الذي ترعاه تركيا في غرب ليبيا. زيارته إلى أنقرة، وفق قراءات إيرانية غير رسمية، كانت على الأرجح مرتبطة بـ:
-
مناقشة الرد التركي على الانخراط الباكستاني في الشرق.
-
إعادة تقييم موازين القوة الجوية.
-
بحث تحديث أو توسيع مظلة الدعم العسكري التركي. وإذا صحّ هذا التحليل، فإن غياب الحداد المفاجئ لا يمثّل مجرد خسارة بشرية، بل فراغًا مؤسسيًا في القيادة العسكرية المتحالفة مع أنقرة.
رابعًا: الحادث بين الاحتمال الفني والرسالة السياسية
الرواية التركية عن “خلل كهربائي” لا يمكن استبعادها تقنيًا، لكن من منظور التحليل السياسي الإيراني، تبقى غير كافية لإغلاق ملف الأسئلة. ليس بالضرورة أن يكون الحادث عملية اغتيال مدبّرة، لكن يمكن أن يكون: نتيجة إهمال أمني، أو خللًا في إجراءات السلامة، أو حتى “حادثًا مُستثمرًا سياسيًا”. وفي السياسة الإقليمية، النتائج أهم من النوايا. وسقوط الطائرة أدى فعليًا إلى: إرباك القيادة العسكرية في غرب ليبيا، وإرسال رسالة ردع غير مباشرة، وتعزيز موقع الأطراف التي تسعى لتغيير الوضع القائم.
خامسًا: تركيا بين الحرج والارتباك
من زاوية إيرانية، تجد أنقرة نفسها في موقف بالغ الحساسية: الحادث وقع على أراضيها، والضحية حليف استراتيجي، والتوقيت يتزامن مع تحدٍّ مباشر لنفوذها في ليبيا. فتركيا، التي بنت تدخلها في ليبيا على صورة “الضامن للاستقرار”، باتت مطالبة بتفسير كيف سقطت طائرة حليفها العسكري الأول. كما أن أي تصعيد تركي محتمل سيصطدم بعوامل عدة: علاقتها المتشابكة مع باكستان، وحساسياتها مع السعودية، وتوازناتها في شرق المتوسط.
سادسًا: انعكاسات إقليمية أوسع
من منظور إيراني أشمل، لا ينفصل هذا الحادث عن: تصاعد الاستقطاب في العالم الإسلامي، وإعادة تشكيل محاور القوة، ومحاولات بعض الدول لعب أدوار أكبر من قدراتها الفعلية؛ فليبيا هنا ليست سوى ساحة اختبار، وما يجري فيها قد ينعكس على: السودان، والقرن الإفريقي، وحتى شرق المتوسط.
سابعًا: ما الذي يمكن أن يحدث لاحقًا؟
السيناريوهات المحتملة تشمل:
-
تصعيدًا عسكريًا غير مباشر عبر دعم نوعي لحفتر.
-
إعادة هيكلة القيادة العسكرية في طرابلس مع ضعف مؤقت.
-
دورًا تركيًا أكثر حذرًا لتفادي الانزلاق.
-
أو حتى تفاهمات خلف الكواليس لتجميد الصراع مؤقتًا.
خاتمة: قراءة إيرانية هادئة لحدث صاخب
من منظور إيراني، لا يُقاس وزن العلاقة التركية–الليبية بحجم الدعم العسكري فقط، بل بمدى تحوّل طرابلس إلى ركيزة في الاستراتيجية التركية الأوسع. ومن هنا، فإن غياب شخصية محورية كـ”محمد الحداد” في لحظة إعادة تشكّل التوازنات، يُعدّ عاملًا ضاغطًا قد يُعيد فتح ملف الصراع الليبي على أسس جديدة.
من منظور إيراني أيضًا، تمثل العلاقة بين تركيا وشرق ليبيا نموذجًا لـ “الخصومة المُدارة”، حيث تسعى أنقرة إلى منع خصومها من تحقيق نصر استراتيجي دون السعي لفرض هيمنة كاملة. أي اختراق جديد في معسكر الشرق، خصوصًا إذا جاء من أطراف ترتبط بعلاقات مع تركيا، يُعد تهديدًا مباشرًا لهذه المعادلة، ويُفسَّر على أنه عامل زعزعة لتوازن هشّ، وتُقرأ في سياقه حساسية توقيت سقوط طائرة رئيس الأركان الليبي في أنقرة.
تقوم وجهة النظر الإيرانية على أنه لا ينبغي القفز إلى استنتاجات متسرعة. فسقوط طائرة رئيس الأركان الليبي هو حدث مفصلي، لكنه لا يغيّر قواعد اللعبة وحده؛ ما يهم هو كيف ستتصرف الأطراف المعنية بعده. السياسة في المنطقة، كما يعلمنا التاريخ، لا تُدار فقط بالأسلحة والطائرات، بل بتوقيت القرارات، وقراءة اللحظة، وتقدير حدود القوة. وهنا يتجلى معنى بيت من الشعر الفارسي القديم لـ “سعدي الشيرازي”، والذي يحمل في معناه: “ليس كل لحظة تصلح لاستعراض القوة… وبعض السقوط، مهما بدا عرضيًا، قد يكون بداية لمسار جديد”.


