
كتابة وتحليل
د. ريم أبو الخير
إعلامية وأكاديمية متخصصة في الشأن الإيراني والأفغاني
جمهورية مصر العربية
شهدت مدينة هرات الأفغانية خلال الأشهر الأخيرة تصاعدًا في الإجراءات التي تتخذها حركة طالبان بحق النساء، في إطار سياسة مستمرة منذ عودتها إلى الحكم عام 2021. وقد شملت هذه الإجراءات تشديد الرقابة على المظهر، وتعزيز دور الأجهزة الرقابية المكلفة بمتابعة التزام النساء بالتوجيهات التي أقرتها الحركة بشأن الزي والحضور في المجال العام، بالتوازي مع استمرار القيود المفروضة على تعليم النساء وعملهن ومشاركتهن في الحياة العامة.
وتأتي هذه التطورات في وقت لا تزال فيه قضية الحجاب تحتل موقعًا متقدمًا في النقاشات السياسية والاجتماعية داخل إيران، ولا سيما بعد الاحتجاجات التي أعقبت وفاة الشابة مهسا أميني عام 2022، والتي أعادت طرح أسئلة جوهرية حول حدود سلطة الدولة في تنظيم الحياة الشخصية للأفراد، ودور المرأة في المجال العام.
وتكتسب المقارنة بين التجربتين الأفغانية والإيرانية أهمية خاصة؛ إذ تكشف عن الكيفية التي تتحول بها القضايا المرتبطة بالزي النسائي إلى أدوات تعبر من خلالها السلطة عن رؤيتها للمجتمع وهويته الثقافية والدينية. فالحجاب في هاتين الحالتين لا يُقدَّم بوصفه شأنًا فرديًا يندرج ضمن دائرة الاختيار الشخصي، وإنما يُنظر إليه باعتباره أحد الرموز المرتبطة بصورة الدولة والقيم التي تسعى إلى ترسيخها في المجال العام.
وفي هرات، التي عُرفت عبر تاريخها الطويل بأنها إحدى أهم الحواضر الثقافية في أفغانستان، تبدو التحولات الراهنة ذات دلالة خاصة. فالمدينة التي احتضنت المدارس والآداب والفنون لقرون طويلة أصبحت مسرحًا لإجراءات متزايدة الصرامة تستهدف تنظيم حضور المرأة في الفضاء العام. وتنظر طالبان إلى قضية الحجاب والزي النسائي باعتبارها جزءًا من رؤيتها العامة للمجتمع، ولذلك ارتبطت القيود المتعلقة بالمظهر بقيود أخرى طالت التعليم والعمل والتنقل. وقد شهدت الأشهر الماضية حملات رقابية متزايدة في الأسواق والأماكن العامة، جرى خلالها التدقيق في أنماط الزي وحركة النساء، في مشهد يعكس سعي الحركة إلى فرض نموذج اجتماعي موحد على مختلف مناطق البلاد، بغض النظر عن خصوصية كل منطقة وخلفيتها الثقافية.
ولا يمكن فصل هذه السياسات عن المشروع السياسي الذي تتبناه طالبان منذ نشأتها. فالحركة تنطلق من رؤية محافظة للعلاقة بين الدولة والمجتمع، وترى أن الحفاظ على الهوية الدينية يقتضي حضورًا واسعًا للسلطة في تنظيم المجال العام. ومن هذا المنطلق، أصبحت القضايا المتعلقة بالمرأة من أكثر الملفات ارتباطًا بقدرة الحركة على ترجمة رؤيتها الأيديولوجية إلى سياسات عملية. ولذلك لا تبدو الإجراءات المتعلقة بالحجاب أو الزي النسائي قرارات منفصلة، بل جزءًا من تصور متكامل لشكل المجتمع الذي تسعى الحركة إلى بنائه.
وفي المقابل، تكشف التجربة الإيرانية عن مسار مختلف. فمنذ انتصار الثورة الإيرانية عام 1979، ارتبط الحجاب بالهوية السياسية والثقافية للنظام الجديد، وأصبح جزءًا من القوانين المنظمة للحياة العامة. وعلى مدار أكثر من أربعة عقود، تعاملت الدولة مع الحجاب باعتباره أحد المظاهر المرتبطة بمشروعها الثقافي والاجتماعي، وتولت مؤسسات رسمية مهمة متابعة تطبيق القوانين المتعلقة به في مختلف المرافق العامة.
غير أن المجتمع الإيراني شهد خلال العقود الأخيرة تحولات اجتماعية وثقافية متسارعة، أسهمت في إعادة طرح أسئلة تتعلق بالحريات الفردية ودور الدولة في تنظيمها. وقد ساعد انتشار التعليم الجامعي ووسائل التواصل الاجتماعي واتساع التفاعل مع العالم الخارجي في ظهور أجيال جديدة تحمل تصورات مختلفة حول العلاقة بين الفرد والسلطة، الأمر الذي انعكس على النقاشات المرتبطة بالحجاب وقضايا المرأة عمومًا.
وقد بلغت هذه النقاشات ذروتها عقب وفاة مهسا أميني عام 2022، حين تحولت القضية من حادثة فردية إلى نقاش واسع حول العلاقة بين الدولة والمجتمع وحدود التدخل الرسمي في الخيارات الشخصية للأفراد. ومنذ ذلك الحين، أصبح الجدل حول الحجاب جزءًا من حوار أوسع يتناول الحقوق المدنية والحريات العامة ومستقبل العلاقة بين السلطة والمواطن في إيران.
وتُظهر المقارنة بين الحالتين أن القضايا المرتبطة بالمرأة غالبًا ما تتحول إلى مرآة تعكس طبيعة التحولات السياسية والاجتماعية داخل أي مجتمع. ففي الوقت الذي تتجه فيه طالبان إلى تشديد القيود وتوسيع نطاق الرقابة، تواجه إيران واقعًا مختلفًا يتمثل في تنامي الأصوات المطالبة بمراجعة السياسات التقليدية التي حكمت هذا الملف لعقود طويلة. وبين هذين المسارين تبرز أسئلة جوهرية حول قدرة المجتمعات على التوفيق بين المحافظة على هويتها الثقافية والدينية، وبين الاستجابة للتغيرات الاجتماعية التي تفرض نفسها بمرور الزمن.
كما أن الجدل الدائر حول الحجاب في أفغانستان وإيران يكشف عن حقيقة مهمة، وهي أن القضايا المتعلقة بالمرأة لا تبقى محصورة في إطارها الاجتماعي أو الديني، بل تكتسب أبعادًا سياسية وثقافية أوسع. فطريقة التعامل مع المرأة، وحجم مشاركتها في المجال العام، والحقوق التي تتمتع بها، أصبحت جميعها مؤشرات تُستخدم لقياس طبيعة النظام السياسي ومدى انفتاحه على التعددية والتغيير.
ومن منظور أوسع، تكشف التجربتان عن اختلاف في طبيعة التحديات التي تواجهها السلطة في كل من كابل وطهران. ففي أفغانستان تسعى طالبان إلى تثبيت نموذج اجتماعي محافظ بعد سنوات طويلة من الحروب والتحولات السياسية، بينما تواجه إيران تحديات ناتجة عن التغيرات الثقافية والاجتماعية التي شهدها المجتمع خلال العقود الماضية. وفي الحالتين تظل المرأة في قلب النقاش الدائر حول الهوية والسلطة ومستقبل المجال العام.
ومن هذا المنطلق، تبدو التطورات الجارية في هرات وما شهدته إيران خلال السنوات الأخيرة جزءًا من نقاش أوسع حول مستقبل المجتمعات في المنطقة. فالقضية لا تتعلق بالحجاب أو الزي بحد ذاتهما، بقدر ما ترتبط بالسؤال عن موقع المرأة في المجتمع، ودورها في الحياة العامة، وحدود السلطة في توجيه الخيارات الشخصية للأفراد. ولهذا يظل ملف المرأة واحدًا من أكثر الملفات ارتباطًا بمسارات التغيير الاجتماعي والسياسي في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى.
إن المقارنة بين ما يجري في هرات وما شهدته إيران خلال السنوات الأخيرة لا تهدف إلى المساواة بين تجربتين تختلفان في السياق والتاريخ والبنية السياسية، بقدر ما تسعى إلى فهم الكيفية التي تتحول بها قضايا المرأة إلى نقطة التقاء بين اعتبارات الدين والسياسة والهوية والثقافة. وبين التشدد الذي تسعى طالبان إلى ترسيخه في أفغانستان، والنقاشات المتصاعدة التي يشهدها المجتمع الإيراني حول الحريات الفردية، يبقى السؤال مطروحًا حول مستقبل دور المرأة في المنطقة، وحول قدرة المجتمعات على إيجاد توازن بين الخصوصية الثقافية ومتطلبات المشاركة والحرية في عالم يشهد تحولات متسارعة.


