On Research

مقالات تحليلية

مشروع الربط الكهربائي بين إسرائيل وأوروبا: أبعاد التنافس الجيوسياسي وموقف تركيا

Email :126

إعداد

شعبان عبدالفتاح شعبان

باحث متخصص في الشأن التركي

جمهورية مصر العربية

 

 

​لم تعد مشاريع الطاقة في شرق البحر المتوسط مجرد بنى تحتية تقنية تُقاس بطول الكابلات أو سعات النقل، بل تحولت إلى أدوات مباشرة لإعادة توزيع النفوذ وصياغة خرائط السيادة في واحد من أكثر الأقاليم حساسية في العالم. وفي هذا السياق، لا يمكن قراءة مشروع الربط الكهربائي بين إسرائيل وأوروبا، المعروف بمشروع «الإنتركونكتور»، باعتباره مشروعًا اقتصاديًا لنقل الكهرباء، بل بوصفه بنية استراتيجية تعيد تعريف موازين القوة تحت سطح البحر.

​المشروع، الذي يمتد عبر كابل بحري يُعد من بين الأطول والأعمق في العالم بطول يقارب 1200 كيلومتر من إسرائيل مرورًا بقبرص وصولًا إلى اليونان، لا يزال يتقدم على مستوى الدراسات الفنية، لكنه يدخل تدريجيًا في منطقة سياسية أكثر تعقيدًا، مع اقترابه من مرحلة الحسم، خصوصًا فيما يتعلق بالمقطع الإسرائيلي–القبرصي الذي يبلغ نحو 330 كيلومترًا، والذي ما زال بانتظار نتائج دراسة الجدوى الاقتصادية.

​في جوهره، يمثل المشروع محاولة أوروبية لإعادة هندسة أمن الكهرباء عبر ربط شرق المتوسط مباشرة بالشبكة الأوروبية، في سياق أوسع يهدف إلى تقليل هشاشة الاعتماد على مسارات تقليدية للإمداد. غير أن هذا التصور التقني يصطدم بواقع إقليمي تتداخل فيه الحدود البحرية مع التنافس على الموارد، وتتحول فيه البنية التحتية نفسها إلى امتداد مباشر لمجالات النفوذ.

​في هذا السياق، لا تظهر معارضة تركيا كموقف ظرفي، بل كجزء من تصور استراتيجي أوسع لإعادة تعريف المجال البحري في شرق المتوسط. فأنقرة، التي لم تصادق على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS)، لا تعترف بالتصور السائد الذي يمنح الجزر اليونانية حقوقًا بحرية كاملة، بل تميل إلى اعتبارها امتدادًا جغرافيًا للأناضول، وهو ما ينعكس مباشرة على رؤيتها لحدود النفوذ البحري.

​الأكثر دلالة أن حزب العدالة والتنمية بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان يعتزم الدفع نحو ترسيخ إطار تشريعي مرتبط برؤية «الوطن الأزرق»، وهي عقيدة تعتبر أن لتركيا مجالًا بحريًا ممتدًا في شرق المتوسط وبحر إيجه والبحر الأسود، بما يتيح عمليًا توسيع نطاق السيادة البحرية إلى حدود تصل في بعض المناطق إلى 12 ميلًا بحريًا، وهو ما ينعكس مباشرة على مشاريع البنية التحتية العابرة للبحر، بما فيها كابلات الكهرباء والاتصالات.

​هنا يتحول مشروع «الإنتركونكتور» من مشروع طاقة إلى ملف سيادي بامتياز. فاليونان، على سبيل المثال، حاولت خلال العام الماضي المضي قدمًا في أعمال مد الكابل في منطقة بين جزيرتي كاسوس وكارباتوس، لكنها واجهت تهديدات تركية مباشرة، ما دفعها إلى تأجيل التنفيذ أكثر من مرة وتجنب مواجهة بحرية مفتوحة، رغم إعلانها مناطق مخصصة للأعمال الفنية.

​هذا التوتر لا يعكس فقط خلافًا تقنيًا، بل يكشف عن حدود القوة في شرق المتوسط، حيث تصبح الكابلات البحرية نفسها موضوعًا للصراع على الشرعية البحرية، وليس مجرد مسارات نقل للطاقة.

​وفي خلفية هذا المشهد، يبرز العامل الجيوسياسي الأوسع. فوفق تقديرات خبراء أتراك، من بينهم الدكتور حي إيتان كوهين يانروغك من مركز «موشيه دايان» في جامعة تل أبيب، تنظر أنقرة إلى التقارب الثلاثي بين إسرائيل وقبرص واليونان باعتباره تهديدًا مباشرًا لتوازناتها الأمنية، وهو ما يفسر تشددها في التعامل مع أي مشاريع بنية تحتية بحرية خارج إطار موافقتها.

​في المقابل، تنظر إسرائيل إلى المشروع من زاوية مختلفة تمامًا. فشبكتها الكهربائية المعزولة تجعلها أكثر عرضة لمخاطر الانقطاع في حالات التصعيد، خصوصًا مع إيران، ما يجعل الربط الكهربائي مع أوروبا عنصرًا استراتيجيًا لتأمين الاستقرار الطاقي، إضافة إلى إمكانية الاستفادة من الشبكات المجاورة في حالات الطوارئ أو تعطل البنية التحتية الداخلية.

​أما اليونان وقبرص، فترتبطان بالمشروع باعتبارات مختلفة: فقبرص تحديدًا، باعتبارها الدولة الوحيدة في الاتحاد الأوروبي غير المرتبطة بشبكة الكهرباء الأوروبية، ترى في المشروع فرصة لخفض أسعار الكهرباء المرتفعة لديها، بينما تسعى اليونان إلى تعزيز موقعها كحلقة وصل استراتيجية في شرق المتوسط.

​لكن الإشكالية لا تتوقف عند الأطراف الإقليمية، بل تمتد إلى البنية التمويلية والسياسية للمشروع. فالتقديرات تشير إلى أن التكلفة الإجمالية للمسار بين اليونان وقبرص قد تصل إلى نحو 1.9 مليار يورو، مع تمويل أوروبي يغطي نحو 35% فقط، بينما تتحمل بقية الدول الجزء الأكبر من التكاليف، في ظل غياب التزام أوروبي كامل، ما يضفي بعدًا اقتصاديًا معقدًا إلى التحدي الجيوسياسي.

​وفي المقابل، يظل المقطع القبرصي–الإسرائيلي الأكثر حساسية، ليس فقط من الناحية التقنية المرتبطة بطبيعة قاع البحر، بل بسبب ما يمكن وصفه بـ«العامل التركي»، الذي يجعل أي تحرك في تلك المنطقة عرضة لاحتمالات التعطيل أو التصعيد، خاصة في ظل غياب تسوية نهائية لقضايا الحدود البحرية في شرق المتوسط منذ أزمة قبرص عام 1974 وما تلاها من إعلان «جمهورية شمال قبرص التركية» عام 1983.

​بهذا المعنى، لا يبدو مشروع «الإنتركونكتور» مجرد مشروع ربط كهربائي، بل اختبارًا مباشرًا لقدرة شرق المتوسط على إنتاج بنية تعاون مستقرة في منطقة لم تُحسم فيها قواعد السيادة البحرية بعد.

​وفي المحصلة، لا يدور السؤال حول جدوى المشروع التقنية، بل حول ما إذا كان يمكن تمرير بنية تحتية عابرة للبحر في إقليم لا يزال يعيد تعريف حدوده بالقوة والتنافس. وبين منطق التكامل الذي تطرحه أوروبا، ومنطق السيادة الذي تدفع به تركيا، يتحول قاع البحر في شرق المتوسط إلى مساحة صراع صامت، تُرسم فيها خرائط النفوذ الجديدة بعيدًا عن السطح، ولكن بآثار سياسية شديدة الظهور.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts