
إعداد
دكتور عمران طه عبدالرحمن عمران
دكتوراه الفلسفة في العلوم السياسية
جمهورية مصر العربية
في عصرٍ يشهد تحولاتٍ جيوسياسية، تتفكك فيه التحالفات التقليدية وتظهر تحالفات جديدة، تُعدّ العلاقة بين باكستان وتركيا رمزاً للصمود والطموح، فمنذ عام ٢٠١٠ حوّلت الدولتان اللتان تربطهما صداقة تاريخية وتراث مشترك ورغبة متبادلة في النفوذ الإقليمي علاقاتهما إلى شراكة ديناميكية تمتد إلى المجالات العسكرية والاقتصادية والتجارية والدبلوماسية، وما بدأ كرابطةٍ صيغت في بوتقة التضامن خلال فترة ما بعد الاستعمار، أصبح الآن شراكةً استراتيجيةً مهيأةً لإعادة تشكيل ديناميكيات المنطقة.
- لمحة تاريخية عن العلاقات الباكستانية التركية:
كان للروابط التاريخية والدينية والثقافية بين تركيا وباكستان، الممتدة من الماضي إلى الحاضر، تأثيرٌ بالغٌ في إرساء العلاقات الثنائية وتطوّرها السريع فور نيل باكستان استقلالها عام ١٩٤٧. ومع ذلك، لعبت السياسات الأمنية دورًا محوريًا في تطوير العلاقات الثنائية خلال خمسينيات القرن الماضي. وشعورًا منهما بالتهديد من الكتلة الشيوعية التي أسسها الاتحاد السوفيتي، تحالفت باكستان وتركيا مع الكتلة الغربية بقيادة الولايات المتحدة. وتعاونت تركيا وباكستان لمنع نفوذ الشيوعية من التغلغل في الشرق الأوسط وجنوب آسيا. ورغم أن حلف بغداد لم يكن قابلًا للاستمرار، إلا أنه ساهم في إرساء البنية التحتية المؤسسية لمثل هذه السياسة المشتركة.[1]
في إطار التزامها الصارم بالسياسات الأمنية التي وضعتها الكتلة الغربية في بداية ستينيات القرن الماضي، بدأت تركيا وباكستان في إقامة علاقات ثنائية أكثر استقلالية بحلول منتصف الستينيات في إطار التعاون الإقليمي من أجل التنمية. وبينما تدهورت علاقات تركيا مع الولايات المتحدة مع صدور رسالة جونسون عام ١٩٦٤، رأت باكستان أيضًا أن الولايات المتحدة تركتها وحيدة في حربها ضد الهند عام ١٩٦٥.[2] لذلك، بدأت تركيا في تطوير علاقاتها مع حلف وارسو ودول العالم الثالث، بينما بدأت باكستان بالتقرب من الصين. وشهدت سبعينيات القرن الماضي أزمتين دوليتين من منظور تركيا وباكستان. أولًا، نالت باكستان الشرقية استقلالها تحت اسم بنغلاديش في أعقاب الحرب الهندية الباكستانية عام ١٩٧١. دعمت أنقرة باكستان دبلوماسيًا وحتى عسكريًا طوال هذه العملية، ولم تعترف باستقلال بنغلاديش حتى فعلت باكستان الشيء نفسه في فبراير ١٩٧٤. وفيما يتعلق بقضية قبرص، اضطرت تركيا للتدخل عسكريًا في الجزيرة عام ١٩٧٤. وإلى جانب تزويد تركيا بالإمدادات العسكرية واللوجستية، كانت باكستان الدولة الوحيدة التي قدمت دعمًا كاملًا للموقف التركي. وهكذا، عززت تركيا وباكستان شراكتهما القوية خلال سبعينيات القرن الماضي، مع مراعاة منظوريهما الأمنيين القوميين.[3]
اكتسبت العلاقات التركية الباكستانية أهمية في ثمانينيات القرن الماضي وخاصة بعد الغزو السوفيتي لأفغانستان عام 1979، واكتسب التحالف التركي الباكستاني أهمية كبيرة لمنع السوفييت من الوصول إلى نظام الخميني في إيران. ومع استيلاء رئيس الأركان الباكستاني ضياء الحق على السلطة بانقلاب عام ١٩٧٧، وقيام رئيس الأركان التركي كنعان إيفرين بانقلاب مماثل عام ١٩٨٠ في تركيا، أصبحت العلاقات التركية الباكستانية محور الاهتمام الجديد للأمن العالمي في النصف الأول من ثمانينيات القرن الماضي. وتعاملت الإدارتان العسكريتان مع الولايات المتحدة بتعاطف بالغ، واستمر التحالف التركي الباكستاني المدعوم من الولايات المتحدة حتى انتهاء الغزو السوفيتي لأفغانستان.[4]
خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، برز تحدي الحفاظ على الاستقرار في أفغانستان بعد تدخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) ليصبح العنوان الرئيسي للعلاقات الثنائية بين تركيا وباكستان. وقد هزّ تدخل الناتو في أفغانستان عام ٢٠٠١ البنية العرقية والدينية الحساسة في باكستان من جذورها. كما سعت تركيا جاهدةً إلى المساهمة في الاستقرار الداخلي لباكستان خلال تلك الفترة، بالإضافة إلى توليها زمام الجهود الرسمية للتوسط بين البلدين.[5]
تُشكل الهوية المشتركة، المبنية على التقارب الديني والثقافي، القوة الدافعة الرئيسية وراء علاقات تركيا الوثيقة مع باكستان. وفي ظل المخاوف الأمنية العالمية والوطنية، ترسخت تفاهمات بين أنقرة وإسلام آباد بشأن التعاون ضمن أطر مختلفة واتسمت العلاقات الباكستانية التركية تقليديًا بالود المتبادل والرغبة في التعاون في المجال السياسي، فقد اكتسبت الجهود الرامية إلى الارتقاء بهذه العلاقة إلى مستوى أعلى زخمًا متزايدًا في السنوات الأخيرة. وفي هذا الإطار، بدأت أنقرة وإسلام آباد بالفعل باتخاذ خطوات منسقة نحو تعزيز قدراتهما المؤسسية منذ مطلع القرن العشرين.[6] والدافع الأساسي وراء هذا التوجه الاستراتيجي مزدوج: فإلى جانب توطيد علاقاتهما الثنائية، يشترك البلدان أيضًا في الرغبة في مواءمة سياساتهما على المستويين الإقليمي والعالمي. ولتحقيق هذه الغاية، تم إنشاء آلية مجلس التعاون الرفيع المستوى (HLCC) في عام 2009 وكان الهدف الأساسي لمجلس التعاون الرفيع المستوى هو تحسين العلاقات الاقتصادية الثنائية.[7]
2- التعاون الأمني والعسكري:
برز الجانب العسكري للعلاقات الباكستانية التركية كحجر زاوية في شراكتهما، مدفوعاً بمزيج من المخاوف الأمنية والطموحات التكنولوجية. وقد اتجهت باكستان تدريجيًا إلى تركيا كمورد حيوي للمعدات العسكرية المتطورة، مدفوعةً بظهور تركيا كقوة صناعية دفاعية. وشملت عمليات الاستحواذ الباكستانية صفقة بقيمة 1.5 مليار دولار لشراء 4 طرادات بابور الحربية المضادة للغواصات، مما عزز القدرات البحرية الباكستانية بشكل كبير. وسيتم بناء اثنتين من هذه الطرادات في إسطنبول، والاثنتين الأخريين في كراتشي، مما يعكس نموذج إنتاج مشترك يشجع على التبادل التكنولوجي.[8]
وبين عامي 2016 و2021، قامت شركة STM التركية بتحديث غواصات AGOSTA 90B الباكستانية، وتزويدها بأنظمة سونار وأسلحة متطورة. كما قامت شركة الصناعات الجوية والفضائية التركية بتحديث طائرات F-16 الباكستانية، وهو مؤشر إضافي على تعميق التعاون التقني.[9]
إلى جانب الأصول البحرية، استحوذت تركيا على طائرات سوبر موشاك الباكستانية، بينما اشترت باكستان طائرات تركية بدون طيار، بما في ذلك طرازات أكينجي وأنكا وتي بي-2. وقد وجد صعود تركيا كقوة هائلة في تجارة الأسلحة العالمية، وخاصة في إنتاج الطائرات بدون طيار، شريكاً متجاوباً في باكستان. وعلى الرغم من ذلك، تعثرت صفقة بقيمة 1.5 مليار دولار لشراء مروحيات T129B ATAK بسبب تردد الولايات المتحدة في تصدير المحركات، وعلى الرغم من هذه النكسة، لا تزال باكستان مهتمة بمنصات الدفاع التركية، مثل مقاتلة الشبح TFX من الجيل الخامس القادمة. وتتمتع هذه الشراكة العسكرية بإمكانية التوسع بشكل أكبر في المستقبل القريب. ففي مواجهة حركات التمرد على طول حدودها الغربية، تحتاج باكستان بشكل عاجل إلى ناقلات مدرعة ومركبات مقاومة للألغام لمواجهة العبوات الناسفة المرتجلة التي زرعتها حركة طالبان باكستان وجيش تحرير بلوشستان. ومن الخيارات المطروحة، مركبات كوبرا 2 وكيربي المدرعة، التي تصنعها شركتا أوتوكار وبي إم سي. ويمكن لقدرات الاستطلاع عبر الأقمار الصناعية المتطورة التي تمتلكها تركيا، والتي طُوّرت من خلال برامج مثل غوكتورك، أن تعزز بشكل كبير قدرات المراقبة الباكستانية في المناطق الحدودية الحساسة. ومن بين المنصات المحتملة الأخرى التي قد تهم باكستان، مروحية الهجومT929، ومروحية الخدمات T625، وطائرات الشبح AnkaIII، ومدمرة الدفاع الجوي TF2000 علاوة على ذلك، قد يتعاون البلدان في تطوير طائرات الإنذار المبكر والتحكم المحمولة جواً، وصواريخ جو-جو، ومركبات مدرعة. ومن شأن البرامج المشتركة أن تخفض تكاليف التطوير، وتعزز التعاون، وتساعد في تطوير الصناعات المحلية.[10]
أعربت تركيا عن استعدادها لاحتضان باكستان كشريك عسكري استراتيجي، وتسلط هذه المشتريات المحتملة الضوء على رغبة باكستان في تنويع مصادر دفاعها بما يتجاوز الموردين التاريخيين مثل الصين والولايات المتحدة، خاصة بعد ظهور تركيا كبديل واعد في مجال التسليح والدفاع، مما يفتح الباب لباكستان في المساهمة في برنامج طائرات مقاتلة الجيل الخامس ANKA التابعة لتركيا، مستفيدة من خبرتها في مقاتلةJF-17، ويمكن للدولتين أًيضاً استكشاف التطوير المشترك لصواريخ كروز بعيدة المدى، وكون تركيا عضواً في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، فإن وصولها إلى التكنولوجيا الغربية يضعها كشريك أساسي لباكستان.[11]
لعب التعاون الاستخباراتي دوراً محورياً في تعزيز هذه الشراكة. فمنذ معاهدة فاكتور لعام ٢٠٠٤، تبادلت باكستان وتركيا الخبرات في مكافحة الإرهاب، وهي أولوية ازدادت حدتها مع صعود تنظيم داعش وولاية خراسان وعدم الاستقرار في أفغانستان. كما تُسهّل مجموعة الحوار العسكري رفيعة المستوى، التي أُنشئت رسميًا عام ٢٠٠٣، في تبادل الخبرات المنتظمة بين الجانبين، وكذلك أنشأت مذكرة التفاهم لعام ٢٠٢٥ والخاصة بإنشاء لجنة دائمة مشتركة معنية بالأمن والاستخبارات ترسيخ التعاون بين البلدين في هذا الإطار، كما تسمح اللجنة المشتركة لباكستان وتركيا التعاون من خلال تعزيز برامج التبادل العسكري وتدريب الضباط وضباط الصف في الأكاديميات العسكرية لكل منهما.[12]
تركز التدريبات العسكرية المشتركة، مثل سلسلة أتاتورك، وهلال، ونجم التي جرت عام 2022، على تعزيز قابلية التشغيل البيني. وفي فبراير 2025، شارك في تدريب أتاتورك الثالث عشر، الذي استضافته مدرسة العمليات الخاصة الباكستانية في (تشيرات) مجموعة الخدمات الخاصة الباكستانية وأفراد القوات الخاصة التركية. حيث أصبحت هذه التدريبات المشتركة حيوية في صقل القدرات العملياتية لكلا البلدين، والاستفادة من خبرتهما الواسعة في عمليات مكافحة الإرهاب وعدم الاستقرار الإقليمي. كما تشمل التدريبات أيضًا تدريبات واسعة النطاق للقوات الجوية مثل تمرين درع السند، الذي استضافته باكستان في عام 2024 في قاعدة القوات الجوية الباكستانية (مشف) و(سرجودها).[13] وهدفت هذه المناورة الجوية، التي شاركت فيها 14 دولة بما في ذلك تركيا، إلى تحسين القدرات متعددة المجالات وتعزيز العلاقات الدفاعية الدولية. كما تشارك كل من باكستان وتركيا في تدريبات عسكرية مختلفة على مستوى العالم، مما يعزز قدراتهما المشتركة ويضخم نفوذهما الجيوسياسي.[14] حيث يواجه كلا البلدين تمردات على طول حدودهما ويمكنهما الاستفادة من تبادل الخبرات العسكرية في عمليات مكافحة التمرد. وعلى سبيل المثال، يمكن للمسؤولين العسكريين الباكستانيين تقديم رؤى حول استراتيجيات مكافحة التمرد في المناطق القبلية الخاضعة للإدارة الاتحادية سابقًا، بينما يمكن لنظرائهم الأتراك تبادل الدروس المستفادة من العمليات في سوريا. كما يمكن لكلا البلدين النظر في إرسال مراقبين لاكتساب الخبرة من عمليات كل منهما، مما يعزز كفاءتهما العملياتية.[15]
3- تنامي الــروابط الاقتصادية:
من الضروري ألا يقتصر دور البلدين على المجال العسكري. فهناك إمكانات كبيرة لهذه العلاقة لتعزيز الروابط الاقتصادية المفيدة. وقد مهدت باكستان وتركيا الطريق لشراكة اقتصادية ذات إمكانات تحويلية، حيث بلغ حجم التجارة الثنائية ذروته عند 1.2 مليار دولار في عام 2022 قبل أن ينخفض إلى مليار دولار في عام 2023 وسط رياح معاكسة للاقتصاد العالمي. وتمتلك تركيا حصة 0.5٪ من واردات باكستان وحصة 1.2٪ من صادراتها.[16] وتهدف اتفاقية التجارة التفضيلية لعام 2023 والإطار الاقتصادي الاستراتيجي إلى رفع هذا الرقم إلى 5 مليارات دولار سنويًا، وهو هدف تم تأكيده خلال الاجتماع السابع للجنة التنسيقية العليا للتجارة والاستثمار في إسلام آباد في فبراير 2025. وتهيمن المنسوجات على صادرات باكستان البالغة 457 مليون دولار إلى تركيا، بينما تشمل صادرات تركيا إلى باكستان البالغة 700 مليون دولار الآلات والمواد الكيميائية، وفي حين أن اتفاقية التجارة الحرة قد تعزز التجارة بين البلدين، إلا أن التسرع في اعتمادها دون استشارة مجتمع الأعمال قد يُقوّض الصناعات الناشئة، وهو درسٌ مُستفاد من اختلالات الميزان التجاري الباكستاني مع الدول الأخرى. حيث إن تنويع الصادرات من الأرز والجلود الباكستانية إلى جانب الآلات والمواد الكيميائية التركية، وإنشاء خط شحن بين كراتشي وإسطنبول، من شأنه أن يُطلق العنان لمحور اقتصادي متوازن.[17]
حفّزت أيضاً الاستثمارات التركية في باكستان، التي بلغ مجموعها 2.7 مليار دولار أمريكي منذ عام 2010، النمو في قطاعات رئيسية. وتُجسّد مشاريع الطاقة المتجددة لشركة زورلو للطاقة، التي بدأت عام 2011، واستحواذ شركة أرتشيليك على شركة داولانس بقيمة 258 مليون دولار أمريكي عام 2016، هذا الالتزام. وقادت شركات البنية التحتية مثل بايندر وإينكا وتيكسر مشاريع الطرق السريعة والقنوات، بينما أُسندت إدارة النفايات في لاهور إلى شركات تركية منذ عام 2012.[18] وتبشر المنطقة الاقتصادية الخاصة المقترحة في باكستان، بدعم من مقاولين أتراك وبتمويل من بنك تورك إكزيم بنك والبنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، بتعميق العلاقات الصناعية. كما تُشير خطط إنشاء فرع لبنك تركي في باكستان، التي أُعلن عنها عام 2024، إلى نوايا اقتصادية واضحة. وفيما يتعلق بربط البنية التحتية، قد يُشكّل الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني محورًا استراتيجيًا رئيسيًا. كما أن اهتمام تركيا بربط الممر الاقتصادي بين الصين وباكستان بمبادرة الممر الأوسط – وهو طريق تجاري يربط بين آسيا وأوروبا – من شأنه أن يضع باكستان في موقع محوري، مما يعزز التجارة الثنائية ويجذب الاستثمار الأجنبي المباشر التركي في الزراعة والآلات.[19]
4- التنسيق الدبلوماسي:
على الصعيد الدبلوماسي، لطالما دعمت تركيا وباكستان موقف كل منهما الآخر فيما يتعلق بنزاعات السيادة على قبرص وكشمير، والتي تكتسي أهمية وجودية للدولتين على التوالي. لسنوات عديدة، دأبت أنقرة على دعم الخطاب الرسمي لإسلام آباد، والعكس صحيح فيما يتعلق بهاتين القضيتين الحاسمتين. دعت باكستان تقليديًا إلى إجراء استفتاء حر ونزيه في المنطقة المتنازع عليها تحت إشراف الأمم المتحدة، كما هو محدد في قرارات مختلفة لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. على الرغم من دعمها السياسي لباكستان في النزاع على كشمير، إلا أن تركيا حرصت تمامًا على عدم إثارة غضب الهند. من حيث المبدأ، تُعرب أنقرة عن رغبتها في حل نزاع كشمير بما يتماشى مع تفضيلات سكانها الأصليين. ومع ذلك، فقد راجعت تركيا تفاصيل سياستها تجاه كشمير لتعكس موقفًا أكثر حيادية وبعيدًا نسبيًا عن الصراع منذ أوائل القرن الحادي والعشرين. وهنا، تُشدد أنقرة على التطبيع الكامل للعلاقات بين الدولتين الواقعتين في جنوب آسيا من خلال الحل السلمي لنزاع كشمير. ومع ذلك، لا يزال الجمهور التركي يتعاطف مع موقف باكستان بشأن هذه القضية في معظمه.[20]
على نحو مماثل، دأبت باكستان على اتباع سياسة تُولي اهتمامًا خاصًا للمصالح العامة التركية في قبرص. من ناحية أخرى، تمتنع باكستان عن الاعتراف رسميًا بجمهورية شمال قبرص التركية، التي تأسست عام ١٩٨٤. وفي هذا الصدد، لم تُقدّم أنقرة أي طلب رسمي لإسلام آباد. وإدراكًا للاختلافات الطفيفة في نهجيهما تجاه نزاعات قبرص وكشمير، اختارت تركيا وباكستان عدم الخوض في هذه القضايا. ففي نهاية المطاف، كان البلدان من أبرز الداعمين لبعضهما البعض في الساحة الدبلوماسية في المسائل المتعلقة بالسيادة الإقليمية على كشمير وقبرص حتى الآن.[21]
أقامت باكستان وتركيا شراكة متينة، متناغمتين في القضايا الإقليمية والعالمية بتناغم ملحوظ. ويعكس دعم تركيا الثابت لموقف باكستان بشأن كشمير، والذي تجسد في انتقادات إلغاء الهند للمادة 370 عام 2019 خلال خطاب الرئيس أردوغان أمام البرلمان الباكستاني عام 2020، دعم باكستان لتركيا بشأن قبرص وأذربيجان. وتعكس القمم الثلاثية مع أفغانستان (2007) و(2012) و (2021) رؤيةً أوسع للاستقرار الإقليمي.[22]
كذلك مثل اجتماع اللجنة العليا للتعاون الاستراتيجي رفيع المستوى لعام ٢٠٢٥، الذي شهد توقيع ٢٤ اتفاقية، ذروةً التنسيق الدبلوماسي بين البلدين.[23] وتُبرز زيارات أردوغان الإحدى عشرة إلى باكستان وهو أكثر عدد زيارات إلى حلفائه استثماره الشخصي والتزامه بتعميق الشراكة والتعاون مع باكستان، وكذلك أبدت باكستان التزامها بتعميق شراكتها مع تركيا، بغض النظر عن الحكومة التي تسيطر على إسلام آباد.[24]
ختاماً: يشير مسار العلاقات الباكستانية التركية إلى شراكة مهيأة للنمو عسكرياً، يمكن للمشاريع المشتركة في الطائرات بدون طيار والصواريخ والأقمار الصناعية أن تعزز تحالفًا تكنولوجيًا، مشروطًا بتجاوز الحساسيات الغربية.
اقتصادياً، يتوقف تحقيق هدف التجارة البالغ 5 مليارات دولار على الاستثمار في البنية التحتية وتنويع التجارة، مع كون الممر الاقتصادي بين الصين وباكستان عاملًا محفزًا محتملاً.
دبلوماسياً، يمكن لصوتهما الموحد أن يرسخ اتحاداً اقتصادياً يمتد من جنوب آسيا إلى آسيا الوسطى، منافساً نطاق منظمة التعاون الاقتصادي. ومع ذلك، لا تزال التحديات قائمة: من فجوات لوجستية، واختلالات تجارية، وحاجة باكستان إلى موازنة علاقاتها الإقليمية.
إن غياب الخلافات الاستراتيجية بين البلدين يترك الباب مفتوحًا لمزيد من التعاون، مشروطاً بالرؤى الاستراتيجية لصانعي السياسات في كل منهما. وبجهود مشتركة، يُمكن أن تتحقق شراكة مثمرة حيث تُشكّل الروابط الاستراتيجية والعسكرية أساسها.
الهوامش:
[1] BBC Turkish. (2007, April 30). “ Karzai ve Müşerref’ten bildiri ” [Declaration from Karzai and Musharraf],from: www.bbc.co.uk/turkish/europe/story/2007/04/070430_turkey_pakistan_afghan.shtml
[2] Bishku, M. B. (1992). In search of identity and security: Pakistan and the Middle East, 1947-77. Conflict Quarterly, 12(3), 30-51.
[3] Colakoglu, Selcuk. (2013). Turkey’s Policy towards Pakistan: Main Dynamics of the Bilateral Relations. Review of International Law & Politics. .9(34), 27-60.
[4] Cooper, A. F., Higgott, R. A., & Nossal, K. R.. (1993). Relocating Middle Powers: Australia and Canada in a Changing World Order (Vol. 6). Vancouver: University of British Columbia Press.
[5] Colakoglu, Selcuk. (2013). Turkey’s Policy towards Pakistan: Main Dynamics of the Bilateral Relations. Review of International Law & Politics. .9(34), 27-60.
[6] Colakoglu, Selcuk, Hecan, Mehmet and Sakaoglu, Emre Tunc. (2016, April). The G20 and Global Governance: An Analysis on the Vision & Capacity of the Group (Report No. 44). USAK Reports.
[7] Directorate-General for Exports under the Turkish Ministry of Economy. (2016, February). Construction Materials Industry Report. from: http://www.ekonomi.gov.tr/portal/content/conn/UCM/uuid/dDocName:EK-226610;jsessionid=xi3ArdFRB2Y76BZNYzsy55KMQSsobWHDTCNnSEZ_um0T7XUgyZSL!1415355959
[8] Gloria Shkurti Özdemir, “Conceptualising the Rise of Türkiye as a Drone Power,” Strategic Paper No. 5, The Arab Center for Research and Policy Studies Qatar https://www.dohainstitute.org/en/Lists/ACRPSPDFDocumentLibrary/conceptualizing-the-rise-of-turkiye-as-a-drone-power.pdf
[9] Ibid
[10] SIPRI Arms Transfers Database, https://armstransfers.sipri.org/ArmsTransfer/CSVResult
[11] Munir Hussain, “Pak-Turkey Relations: On the Common Ties,” Alternatives Turkish Journal of International Relations, vol. 7, no.2, https://dergipark.org.tr/en/download/article-file/19513
[12] “Turkish Warship Docks in Karachi: Ankara-Islamabad Tighten Military Axis Amid India-Pakistan Standoff,” Defence Security Asia, 2 May 2025. https://defencesecurityasia.com/en/turkish-warship-docks-in-karachi-ankara-islamabad-tighten-military-axis-amid-india-pakistan-standoff/
[13] STM, “Pakistan Navy Fleet Tanker Project,” last accessed 29 May 2025. https://www.stm.com.tr/en/our-solutions/naval-engineering/pakistan-navy-fleet-tanker-project
[14] “Pakistan, Türkiye Conclude Joint Military Exercise ‘Ataturk-XIII’ to Bolster Defense Ties,” Arab News, 20 February 2025. https://www.arabnews.com/node/2590945/pakistan
[15] “Turkey’s Role in India‑Pakistan Conflict Exposed: Two Military Operatives Killed in Operation Sindoor,” Indian Defence Research Wing, 14 May 2025. https://idrw.org/turkeys-role-in-india-pakistan-conflict-exposed-two-military-operatives-killed-in-operation-sindoor/
[16] Ali Ahsan, “Turkey-Pakistan Relations,” Blog Post, September 14, 2023, https://russiancouncil.ru/en/blogs/al-ahsan/turkey-pakistan-relations/
[17] Anas Haroon and Yunus Özcan, “Economic Relationship between Turkey and Pakistan,” bİşletme The Business Journal, 2(2) (2024): 3, https://dergipark.org.tr/en/download/article-file/1918561
[18] “Pakistan Continues to Attract Investment,” DEiK, https://www.deik.org.tr/pressreleases-pakistan-continues-to-attract-investment
[19] “Pakistan, Turkey Sign Agreements, MOUs for Enhanced Cooperation in Diverse Areas,” APP Digital, https://www.app.com.pk/global/pakistan-turkey-signagreements-mous-for-enhanced-cooperation-in-diverse-areas/
[20] Hussain, Munir. (2008). Pak-Turkey Relations: On the Common Ties. Alternatives: Turkish Journal of International Relations. 7(2&3), pp. 67-85.
[21] Suvankulov, Farrukh & Ali, Wazir. (2012). Recent Trends and Prospects of Bilateral Trade between Pakistan and Turkey: A Gravity Model Approach. Journal of International and Global Economic Studies. 5(1), 57-72.
[22] Syed Ali Nawaz Gilani, “Turkiye-Pakistan Friendship: From Past to Present,” Daily Sabah, February 13, 2021, https://www.dailysabah.com/op
[23] ADNAN AAMIR, Turkey bolsters ties with Pakistan during and after India conflict, May 17, 2025, https://asia.nikkei.com/politics/international-relations/turkey-bolsters-ties-with-pakistan-during-and-after-india-conflict
[24] Rahat Shah and Wang Li, “Rationales behind Pakistan-Turkey Relations since September 11, 2001,” The Round Table The Commonwealth Journal of International Affairs, vol. 109, no. 5 (2020):1, https://doi.org/10.1080/00358533.2020.1819630








